منتديات مواد الاجتماعيات

منتديات مواد الاجتماعيات


    المدينة والدولة المخزنية

    شاطر

    Admin
    Admin
    Admin

    الدولة :
    عارضة الطاقة :
    90 / 10090 / 100

    عدد المساهمات : 9005
    نقاط : 19215
    تاريخ التسجيل : 10/08/2010

    المدينة والدولة المخزنية

    مُساهمة من طرف Admin في الجمعة ديسمبر 23 2011, 23:20

    [ندعوك للتسجيل في المنتدى أو التعريف بنفسك لمعاينة هذه الصورة]

    المدينة والدولة المخزنية

    [ندعوك للتسجيل في المنتدى أو التعريف بنفسك لمعاينة هذه الصورة]

    محمد فتحة

    قام الدكتور المؤرخ محمد فتحة،بقرائة لكتاب عبد الأحد السبتي وحليمة فرحات، ''المجتمع الحضري والسلطة بالمغرب من القرن 15 إلى القرن 18؛ قضايا ونصوص، الدار البيضاء، دار توبقال للنشر ، 2007.''واستخلص ما يلي:

    تم تصميم الكتاب على أساس ثلاثة محاور كبرى تعكس اهتماما أكبر بالمستجدات والتحولات التي عرفتها الحواضر في هذه المرحلة، وهي:

    المدينة والاحتلال الإيبيري

    المدينة والزاوية

    المدينة والمخزن، وهذا المحور الأخير مشكل من بابين.

    وقد تصدر الكتاب تقديم عام تتبع المحاور المذكورة وساق الأفكار الكبرى أو مستويات النظر في متن المدينة، مثل تتبع مستويات التحول وترييف المدينة والتماثل البنيوي بين الزاوية والمخزن وكثافة واستمرار النسيج الحضري في المدن الحضرية القليلة، ولحظة الانتقال من الزاوية إلى المدينة، إضافة إلى نفس أنثروبولوجي طبع بعض مراحل الكتابة والتأمل. والتقديم الذي يلي سوف يتتبع نفس النظام الذي تتبعه المؤلفان.

    الفصل الأول: المدينة الساحلية بين الاحتلال والاستقلال

    يضم هذا الفصل عشرين نصا منها ستة عشر نصا لمؤلفين مغاربة، وثلاثة نصوص من الأرشيف البرتغالي نص واحد لروبير ريكار تتخللها، كما في باقي الفصول، هوامش وضعت من أجل التوضيح وإبراز السياقات والإحالة على مصادر ودراسات موازية من شأنها إغناء المعرفة المتصلة بمادة هذه النصوص. وقد اختار المؤلفان عدم إثقال الكتاب بما يقتضيه عمل المحقق، وهما مصيبان في ذلك على ما أعتقد لأن ذلك لم يكن غايتهما في الأصل.

    يبدأ هذا الفصل بالتذكير بأزمة القرن 14م التي سهلت الاحتلال الإيبيري، سواء في مرحلته الشمالية ما بين 1415 و1571، أو في مرحلته الجنوبية انطلاقا من 1508. ثم ينتقل المؤلفان بعد ذلك إلى كيفية تعامل النصوص التاريخية مع هذه المحطات من قبل الإخباريين المغاربة، ومن قبل الأرشيف الأوربي. وبخلاف الطابع الأسطوري المميز للصنف الأول، فإن الأرشيف الأوربي يقدم أسباب موضوعية للاحتلال: ضعف المخزن وصراع السكان وانقساماتهم. كما يقدم معطيات مهمة عن أحوال السكان الاجتماعية والاقتصادية وعلاقتهم بالاحتلال، والآثار المترتبة عنه، ومن جملة ذلك: إخلاء بعض المدن وتراجع نمط العيش الحضري وفشل محاولات استرداد سبتة وانقطاع صلات المغرب بالمجال المتوسطي.

    وبخلاف ذلك عرف الساحل الأطلنتي تحولات مختلفة، إذ توقفت المقاومة في استرجاع بعض لمدن (مازغان 1769)، وازدهرت به صناعة القرصنة، وطغى الجانب السلمي على المبادلات مع أروبا، لاسيما في عهد محمد بن عبد الله، عبر الصويرة والدار البيضاء وفضالة.

    الفصل الثاني: مدن وزوايا

    يضم هذا الفصل ستة عشر نصا، منها واحد مقتطف من كتاب ديل إيكلمان الإسلام في المغرب، ويتعلق بأسطورة تأسيس زاوية أبي الجعد، أما الباقي فهو من توقيع مؤلفين مناقبيين، باستثناء تاريخ الضعيف ومؤلفين لابن زيدان والمختار السوسي. توقف الباحثان، في سياق تتبع تطور ظاهرة الزاوية منذ العصر الوسيط، عند الزاوية كحركة دينية ساد فيها التيار الجزولي المقاوم للغزو الإيبيري، وعند المشاركة في الجهاد، باعتبارها من أسباب تأسيس مدينة شفشاون من قبل بني راشد العلميين. ومن جهة أخرى فإن عددا من الزوايا أسست إمارات وحواضر مثل مدينة الدلاء وإيليغ ووزان وأبي الجعد، والملاحظ أن المدينتين الأخيرتين تقعان في منطقة اتصال بين مجموعات بشرية مختلفة، مع ما يعنيه ذلك من نهوض بدور الوساطة بين القبائل وتأهيل لتبادل الخدمات مع المخزن، وإن كان ذلك لم يحل دون حصول توترات بين الطرفين.

    وقد تطورت ظاهرة الزوايا داخل المدن والحواضر الموجودة كمكناس وفاس ومراكش، وكان وراءها أولياء من أصول ريفية كأبي الرواين والغزواني وأحمد الشاوي، بل وحتى الزاوية الفاسية المتجدرة بفاس، وهذه ثاني مرة تأتي فيها مسالة تداخل الريف والمدينة، والتي سوف نرجع إليها فيما بعد.

    يشترك الشرفاء مع الزوايا في النفوذ الديني والبركة، وإذا كان المجتمع قد اعترف لهم منذ زمن بعيد بهذا الموقع الاجتماعي الناجم عن احترام وتبجيل حفدة الرسول، فإن شرف الولاية لم يلبث أن التحق بشرف النسب مضيفا للأولياء وذرياتهم قيمة روحية إضافية لم تخل بدورها من تشكيك، وإن لم تصل إلى مستوى قضية "المتشرفة" التي يثيرها الكتاب وهي قضية ليست بالجديدة وترجع إلى العصر المريني.


    Admin
    Admin
    Admin

    الدولة :
    عارضة الطاقة :
    90 / 10090 / 100

    عدد المساهمات : 9005
    نقاط : 19215
    تاريخ التسجيل : 10/08/2010

    رد: المدينة والدولة المخزنية

    مُساهمة من طرف Admin في الجمعة ديسمبر 23 2011, 23:20


    الفصل الثالث: المخزن والمدينة؛ المراقبة والتدبير

    يشتمل هذا الفصل على تسعة وعشرين نصا تتصل بالبيعة وبالعمران السلطاني وأفراك والاحتفال الرسمي بالمولد النبوي وممثلي المخزن محليا، إضافة إلى نصوص تتناول النظام المخزني بالمدينة. علاقة المدينة بالمخزن خلال هذه المرحلة تمر عبر دراسة مؤسسات الحكم المحلي (عامل – قائد) والقضاء والحسبة. وقد تقرأ من زاوية رمزية عبر استقراء شارات الملك أو بعض البنيات غير المهيكلة للسلطة المخزنية للمدينة. بعبارة أخرى، فقد ركز الكتاب على العناصر التي تبرز حضور السلطة في المستوى الرمزي وهي البيعة والعمران السلطاني وأفراك والاحتفال بعيد المولد. وقد اختار المؤلفان كعناصر مصدرية لهذه الشارات نصوصا تتصل بالبيعة لا كنص لعقد البيعة وإنما لنقضها في العصر السعدي.

    وفيما يخص العمران السلطاني، فقد تم اختيار مثالين معبرين هما قصر البديع ومكناس الإسماعيلية، ولم يفت المؤلفين التأكيد بأن البنائين هما لملكين ينتميان لأسرتين مختلفتين، أولهما هدم من قبل السلطان الثاني. وقد أدرجا هذا الفعل في إطار ثنائية التخريب والإحداث، كما قدمتها بعض الأبحاث الأنثروبولوجية. وقد نضيف بأنه إذا كان فعل التخريب تصفية رمزية وقتل ثان لتراث وأثر السلطان السابق، فإن المسألة قد لا تبلغ دائما هذه الأبعاد، وإنما تدعو إليها الحاجة والرغبة في استعادة مواد البناء من مواقع قريبة (قرطاج- تونس؛ وليلي- فاس؛ شالة- سلا) أو ما ساقه المؤلفان أيضا في الكتاب (ص.99) في معرض الحديث عن خراب قصور مولاي إسماعيل واستعادة موادها. وقد أفرد الباحثان لأفراك، وهو السياج من الشعر الذي يستر خيام السلاطين أثناء حرْكاتهم، نصين يضيفان الجديد إلى معنى أفراك وحاولا قراءة دلالة المصطلح باعتباره يجسد ظاهرة تعدد العواصم وترحال الملك، بل وحتى ضرورة ظهور السلطان كعلامة من علامات النظام. غير أن العناية بالقراءة من هذه الزاوية تبعدنا شيئا ما عن موضوع المخزن والمدينة، باعتبار أن فسطاط السلطان أضحى هو نفسه مدينة متنقلة حسب تعبير الإفراني نزهة الحادي، غير أنه في هذا المعنى فإننا نعطي الأولوية للدلالة السياسية على حساب المحتوى السوسيولوجي والتاريخي المطلوب في علاقة الحاكم بالمدينة.

    وفي موضوع الاحتفال بالمولد النبوي، تتبع المؤلفان تاريخ ومظاهر العناية بهذه المناسبة، ووقفا على مثالين في شأنهما يعودان إلى العصرين السعدي والعلوي. ومعلوم أنه فيما يخص المغرب الأقصى، فإن ظروف الاحتفال اقتضت دائما إبراز عظمة، وهو ما عبر عنه الكتاب بأن طقوس العيد أضحت مناسبة لإظهار سلطان السعديين mise en scène du pouvoir. ويبدو أن المخزن تعود منذ القديم على استثمار مثل هذه المناسبات والحشود التي ترافقها، من أجل غايات دعائية تكرس صورة الدولة ورموزها، ولنا أن نتأمل في موسم الشموع بسلا والتحولات التي طرأت على النقوش والصور والشعارات التي تبرزها الشموع منذ سنوات السبعين، إذ أن المساحة المخصصة للنقوش الدينية تراجعت بالمقارنة مع تلك التي تحمل إشارات سياسية.

    ثم انتقل المؤلفان بعد ذلك إلى الأدوات المحلية للمخزن مفضلين على التقابل المألوف، أدوات السلطة العسكرية وأدواتها المدنية، إثارة مسألة تقاطعهما معا وهي التوارث العائلي للمناصب، والذي شكل ظاهرة العائلات المخزنية التي تقوم على تبادل المصالح والاستقطاب بواسطة توزيع المنافع وتقاسم المهام والأدوار. وإذا كانت هذه الظاهرة معروفة منذ العصر الوسيط، فإن الكتاب يرقى بها إلى مستوى البنية الملازمة لتعاقب الأسر الحاكمة، غير أن هذه العائلات المستقطبة من قبل المخزن تكون في الواقع في خدمة هذا الأخير، وقد تقتلع من بنيتها الأصلية، وفي هذا المعنى فإن ولاءها للمدينة يتأثر ولا شك، كما أن خدمتها للسلطان قد تجر عليها نقمته. لكن الأسر العريقة لم تحاول قط تجنب الدولة، إذ أن جاهها وزعامتها يستمدان في الواقع من كونها تمثل في آن واحد طاقة معارضة مفاوضة، وطاقة موالية للمخزن، وهذا لم يسمح لها بلعب دور تقدمي، ففي بيئات أخرى تحررت المدن من الفيودالية وقدمت مشروعها الحضري البرجوازي بوضع يدها في يد الملوك الذين كانت لهم أيضا مصلحة في القضاء على تشتت السلطة وعلى النبلاء الذين كانوا ينافسونهم عرفيا وقانونيا في هذا المجال، وحصلت المدن من جراء ذلك على امتيازات اقتصادية وعلى ترخيص بتدبير أمورها الداخلية بنفسها. لكن كل من درس علاقة المدن بالمخزن انتهى إلى خلاصة مفادها أن المدن مجرد أدوات للدولة في التحكم في المجال، وأن هذا الجهاز طفيلي عاش واستمر بفضل العائدات التي كان يحصل عليها في الغالب، بأسلوب أدانه العلماء والصلحاء والمصلحون باستمرار، ونجد صداه في النصوص التي جمعها الكتاب لإثارة محطات إضعاف الكيان الحضري من قبل السلطة المخزنية وغلوها في الابتزاز المالي لأهل اليسار، مما أدى إلى عرقلة سيرورة تشكل النخب الحضرية على المدى الطويل.

    الفصل الرابع: المدينة والمخزن: زعامات ومواجهات

    يتشكل هذا الفصل من ثمانية عشر نصا واحد منها للراهب الفرنسي ب.دان والباقي فمستخرج من مصادر مغربية. وقد تساءل الباحثان في معرض تناولهما لظاهرة التوتر داخل المدينة، وبين هذه الأخيرة وبين الدولة المخزنية عن طبيعة الانتفاضات، هل هي بنيوية أم استثنائية؟ فخلال مراحل انتقال الحكم وإبان الأزمات، تظهر زعامات داخل المدن عبارة عن أشخاص أو أسر أو هيئات. لكن الأوضاع تختلف من مدينة إلى أخرى، فانتعاش تطوان كمدينة – إمارة ارتبط بأسرتي المنظري والنقسيس، وفي سلا استولت أسرة فنيش على مقاليد الحكم خلال مرحلة أزمة سياسية وغياب الدولة، واحتفظ رئيسها عبد الحق فنيش بالرئاسة مع وصول السلطان محمد بن عبد الله إلى الحكم، وفي فاس كانت الزعامة المحلية تعكس انقسام المدينة إلى ثلاثة هويات هي الأندلس واللمطيين والقرويين، لكنها زعامات كانت تتغير أحيانا بسبب ظروف المدينة، لكن يلاحظ أن بعض الزعامات المضادة كانت تنتهي في أحضان السلطة المخزنية بعد أن تستعيد هذه الأخيرة عافيتها.

    أما المواجهات التي حصلت بين المدينة والدولة فقد أخضعها المؤلفان لنمذجة تثبت الأسباب التالية للتوتر وهي:

    • رفض العلماء بيعة أسرة جديدة او تزكية قرار سلطاني معين.

    • الاحتجاج السلمي للطلبة من أجل تحسين أوضاعهم المعاشية.

    • مطالبة الحرفيين بإقالة ممثل السلطان بالمدينة.

    • انتفاض المدينة ضد تعسف الولاة.

    وعموما فالملاحظ أن الدول التي تعاقبت على حكم المغرب لم تؤرقها يوما التجليات المختلفة لثورات المدن وكان أشد ما تخشاه هو الحركات المنبعثة من البوادي أو تلك التي تحركها خلفية دينية. فلم يثبت قط أن خرجت المدينة منتصرة على النظام البدوي/الريفي الذي يمثله المخزن بما فيها سبتة بعزفييها وتجارتها وموقعها الممتاز.

    ولعلنا في هذا، لم نخرج عما سبق لابن خلدون أن قرره في حق المدن. وعلى الرغم من النماذج التي ساقها الكتاب في موضوع الثورات، فإن المضمون الاقتصادي لا يبرز بقوة إلا في حالة واحدة من أصل ثمانية عشر تهم خرازي الرباط. وبتعبير آخر، فإن لحظات الانتفاض هي ذات طبيعة ما قبل رأسمالية وكانت غايتها تحسين الموقع التفاوضي للمدن والتذكير بشروط التعاقد بينها وبين الإمام، لكنها لم تكن تعبر عن نزعة إلى الحكم الذاتي كما ذهب إلى ذلك بعض الدارسين، وهو ما رفضه المؤلفان فيما يظهر، مفضلين التساؤل عن خصوصيات التفاعل بين الدولة والكيانات الحضرية بشكل عام.

    فضل هذا الكتاب أنه جمع لنا عددا من النصوص نعرف أغلبها، وهي تتصل بعلاقة المدينة بالمخزن أو بالزاوية أو بالاحتلال الأيبيري، لكن معرفتنا بها تتوقف عند هذا الحد، ليبدأ اجتهاد المؤلفين اللذين يقدمان لنا هذه النصوص وفق إشكاليات تاريخية محددة ووفق مقاربة جديدة وهو مجهود ليس بالهين وغالبا ما نغفله ونحن نقرأ بعض الأعمال التاريخية.

    لكن بالرغم من ذلك، ومع مراعاة شروط المحبة والتقدير للمؤلفين، فإن بعض اجتهاداتهما تحمل قراءة مختلفة وسأركز هنا على جانبين اثنين يتصلان بفكرتين قويتين وردتا في الكتاب وهما أنه في مجال إيقاع وأنماط التمدين في المغرب تشكل علاقة المدينة بالزاوية لحظة جديدة، والثانية تتعلق بظاهرة ترييف المدن التي تتقاطع عندها أغلب الفصول. يتفق مؤرخو العمارة على أن المدن هي إما عفوية أو أنها بنيت بقرار ( villes spontanées ,villes créées). وفيما يتعلق بالفصل الثاني (مدن وزوايا وشرفاء) فإن بعض الزوايا كانت وراء ظهور المدينة لكن الشرفاء لم يؤسسوا مدنا، اللهم إذا اعتبرنا أن فاس، وفيما بعد شفشاون والحيز الأعظم من مكناس وتارودانت هي من بناء الشرفاء، لكن الأمر يختلط هنا بين الشرفاء كطاقة اجتماعية والشرفاء ككيانات سياسية مؤسسة.

    وفي كل الأحوال، وبمثل تأثير الجغرافية، فإن حركيات المقدس كانت وراء تأسيس المدن، وهذه ظاهرة كونية (القدس ومكة ولاهاسا ولورد وسان جاك دو كومبوسطيل). لكن قوة الديني والروحي تأتي من قدرته على استيعاب المخزني وابتلاعه، فحتى المدن التي بنيت بقرار لم تعد تذكر بأسماء الدول والأسر التي بنتها وإنما بأسماء سادة المدن الروحيين "موالين البلاد" أي سبعة رجال أو الحرم الإدريسي أو عبد الله بن حسون.

    أما بالنسبة لظاهرة ترييف المدن فقد ارتبطت في الكتاب بتراجع الحياة الحضرية وضمور تجارة العبور في الفصل المتعلق بالاحتلال الإيبيري، وبالانتماءات الجغرافية والقبلية لبعض مؤسسي الزوايا داخل المدن القائمة. من المؤكد أن الرواج الاقتصادي للمدن يؤثر في النسيج الحضري، لكن الانتماء للمدينة واكتساب ثقافة وهوية حضرية غير مدين للتجارة وحدها، بل هو نتيجة لعمل الزمن الذي ينحت شخصية المدينة ويطبع نخبها وسكانها بطابع خاص يتجلى في شبكات العلاقات الأسرية وفي العوائد ومختلف تفاصيل الحياة اليومية التي تدمج مجموعة معينة في بوثقة واحدة. إنها تلك الأشياء الحسية التي تجعل مدينة مثل فاس تستوعب وتدمج المجموعة الوافدة من مدينة القصر الكبير وهي أسرة بني الجد المشهورة بلقب الفاسي وتستعصي على طارئين آخرين من بنيات مختلفة لأنهم لا يتوفرون على أسباب الاندماج (العلم والولاية والمال وخدمة المخزن). وعلى سبيل المثال فبعض الأسر الحضرية بسلا في المرحلة المتأخرة هي أسر من أصول ريفية (قروية). وشكلت النخبة الحضرية للمدينة بعد انقراض الأسر العريقة أو بعد أن قل شأنها.

    كيف يحصل الاندماج والارتقاء؟ من المؤكد، بالرجوع إلى الدراسات التي اهتمت بالموضوع، أن النزعة الدينية وخدمة المخزن والمشاركة في النشاط القرصني والتجاري كلها عوامل أهلت هذه العائلات للاندماج والتصدر. وبتعبير آخر، فإن مدينة ما قبل الاستعمار استوعبت البادية وطبعتها بثقافتها، وهو أمر لم تسلم منه النخب العسكرية التي كانت تعين لتسييرها، ولا الأسر الحاكمة نفسها. ونحيل في هذا الصدد على نصين في الكتاب يتعلق أولهما بإحياء عيد المولد والثاني بتمدن الأسرة السعدية. وجدير بالذكر أن الاحتفال بعيد المولد بدأ في مجال حضري عريق هو سبتة ثم استرجعه حكام بدو هُم بنو مرين لغايات معروفة. وبالموازاة مع ما اصطلح عليه في الكتاب بترييف المدينة هناك في تاريخ المرينيين ومن أتى بعدهم أمثلة تبرز العكس، وهو أن المدينة، وإن غلبت على أمرها أمام قوة الدولة، فإن ذلك لم يحل دون انجذاب تلك الأسر إلى الثقافة الحضرية والاغتراف من معينها وعملها بدورها على إغناء التشكيل الحضري بمرافق وبنايات ذات منفعة بالنسبة للحضر.

      الوقت/التاريخ الآن هو الجمعة ديسمبر 09 2016, 01:55