منتديات مواد الاجتماعيات

منتديات مواد الاجتماعيات


    المجتمع الإسلامي في المدينة المنورة في عصر الرسالة

    شاطر

    Admin
    Admin
    Admin

    الدولة :
    عارضة الطاقة :
    90 / 10090 / 100

    عدد المساهمات : 9005
    نقاط : 19215
    تاريخ التسجيل : 10/08/2010

    المجتمع الإسلامي في المدينة المنورة في عصر الرسالة

    مُساهمة من طرف Admin في الأحد يناير 23 2011, 23:13

    [ندعوك للتسجيل في المنتدى أو التعريف بنفسك لمعاينة هذه الصورة]

    المجتمع الإسلامي في المدينة المنورة في عصر الرسالة
    د/ أكرم ضياء العمري


    لم تكن ثمة فترة في تاريخ الإسلام تطابقت فيها تعاليمه مع واقع المسلمين كما حدث في عصر الرسالة والخلافة الراشدة.
    كانت عدة عوامل تولد ذلك التسامي الروحي السامق والتعاطف الاجتماعي العميق والسلوك الإنساني الإيماني الرفيع، وتفتح البصائر على الحياة، معناها ومسؤوليتها وغايتها..
    كان الخطاب القرآني ببيانه المعجز واضحاً في مبانيه ومعانيه لأنه تبنى لغة قريش وأساليبها ومدلولات ألفاظها، فلم يحظ جيل بتطابق لغته اليومية المألوفة مع لغة الوحي كما حظي ذلك الجيل.
    وكان تذوق المجتمع للغة وحبه لها وتفننه فيها وتكريمه للمجيدين لها من الشعراء والخطباء من عوامل الإحساس العميق بالإعجاز البياني للخطاب القرآني.
    وكان لوجود "الرسول" في ذلك المجتمع أثر عظيم في تعميق التربية الإيمانية واليقظة الروحية، فقد تمكن حقاً من تحقيق الإحياء الذي سجله الخطاب القرآني وطالب الناس بالاستجابة له ] يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اسْتَجِيبُوا لِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ إذَا دَعَاكُمْ لِمَا يُحْيِيكُمْ[.
    وانعكست تعاليم الإسلام في قلوب الناس، كما تنعكس الصور في المرايا دون غبش ودون تحريف، إذ لم تخالط إلا الفطرة الصافية من العقائد والفلسفات ، ولا شك أن الشرك يعكس "بدائية" ولا يولد "فلسفة" فما إن انزاح غبشه حتى عاد للمرآة صفاؤها.
    وبدأ تشكيل المعتقد الجديد والرؤية الجديدة للحياة ، واتضحت معالم وسنن الحياة، فأنضجت العقول ، وحركت الوعي ، وكشفت عن قوانين الاجتماع بوضوح..
    وهكذا تكون "الفرد" و"المجتمع" و"الدولة" و"الأمة" وتحددت المفاهيم والعلاقات والرؤى من خلال الوحي الإلهي، وقد انحصر التلقي عن المشركين "لا تستضيئوا بنار المشركين"(1) أي لا تستشيروهم كما قال الحسن البصري ، وكذلك منع التلقي عن أهل الكتاب.
    أن القرآن غض طري، ويخشى من كل تداخل وغبش واختلاط، فلابد أن تكون المصادر مستقلة والرؤية واضحة لتتمكن الأمة من تقديم الرسالة الإسلامية للناس خالصة مبرأة من كل شوائب العقائد والفلسفات، لكن هذا لم يمنع من الجدال والحوار مع الأطراف الأخرى ، والذي تطور إلى مؤلفات في الأديان المقارنة ، كما صار فيما بعد على يد الشهرستاني وابن حزم وآخرين...
    ولكن صيانة الدين في مجتمع المدينة كان ضرورة لازمة في أول عهد التنزيل، من هنا كان الحرص على استقلال مصادر التلقي.
    وقد أثمر ذلك كله واقعاً اجتماعياً متميزاً عن المجتمعات الأخرى التي عرفها التاريخ الإنساني، فلأول مرة ينجح نبي في إقامة مجتمع واسع وفق تعاليم رسالته وبناء صرح دولة تقوم على تلك التعاليم أيضاً..
    إن السمة العام لذلك المجتمع هو الإحساس بالانتماء والمحبة والأخوة، والاستعلاء على الحسد والحقد والبغضاء ؛ مما أكسب الحياة جمالاً روحياً ، وجعل العلاقات الاجتماعية شفافة دافئة تملأ النفوس بدفقات الحب والتراحم والتضامن في مواجهة أعباء الحياة ومسؤولياتها.
    كان التوجيه النبوي واضحاً في تدعيم الأسرة والحث على تثقيفها ، فقد أمر الصحابة "ارجعوا إلى أهليكم فأقيموا فيهم وعلموهم"(2).
    والاهتمام بإشاعة الهدوء والسلام والحب والوئام والتعاون والانسجام في البيت ليكون سكناً صالحاً للأسرة ومحضناً جيداً لرجال وأمهات المستقبل، وكانت الأوامر النبوية واضحة بالمساواة بين الأبناء الذكور والإناث في العطاء المعنوي والمادي، وكانت الوصية بالبنات أكثر وروداً بسبب جنوح العرب إلى تفضيل الذكور "من كانت له أنثى فلم يئدها ولم يهنها ولم يؤثر ولده عليها أدخله الله الجنة"(3).
    ومعلوم أن الخطاب القرآني حرم وأد البنات لأي اعتبار ، سواء يتصل بخوف العار عند وقوعهم بالأسر أم بخوف الجوع، ولا شك أن هذا انعكس على النمو البشري للمجتمع الإسلامي الأول ، رغم أن الوأد كان ينحصر في قبائل معينة قبل الإسلام.
    وكانت توجيهات الرسول صلى الله عليه وسلم واضحة بمنع استخدام العنف في داخل الأسرة ، وما يولده من ضغوط وعقد نفسية واجتماعية (خيركم خيركم لأهله. وأنا خيركم لأهلي)(4).
    ولكن هذه التوجيهات اقترنت بتوجيهات أخرى تأمر بتأديب الأسرة بأدب الإسلام، فالطفل يعود على آداب السلوك مبكراً، فيؤمر بالاستئذان في الدخول على الآخرين، والكبار أحرى بالاستئذان على أقاربهم حتى داخل بيته ، حتى يستأذن الرجل في الدخول على أمه في بيته ليخدمها(5).
    وقد وضعت ضوابط للعلاقات الاجتماعية كما في حقوق الطريق من غض البصر وكف الأذى ورد السلام، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر(6).
    وقد أكدت التوجيهات على احترام الإنسان، وعلى التواصل بين الناس بتعميق التعارف "إذا آخى الرجل الرجل، فليسأله عن اسمه واسم أبيه وممن هو فإنه أوصل للمودة"(7) والحث على بذل النصيحة ونفع الآخرين بالمال والرأي "من كان معه فضل ظاهر فليعد به على من لا ظهر فليعد به على من لا ظهر له، ومن كان معه فضل من زاد فليعد به على من لا زاد له" قال أبو سعيد الخدري- راوي الحديث- فذكر من أصناف المال ما ذكر، حتى رأينا أنه "لاحق لأحد منا في فضل"(Cool.
    فلا غرابة إذا لم نجد في ذلك المجتمع أثراً لظاهرة الاغتراب أو الإحساس بالضياع والتمزق والعبث أو المعاناة النفسية، فقد عاش إنسان ذلك المجتمع في رحاب واسعة ورؤى عريضة تقتبس من علم الله ونوره "ومن لم يجعل الله له نوراً فما له من نور"(9) وكيف يحس الإنسان بالاغتراب في مجتمع يعيش تحت شعار "لا تدخلون الجنة حتى تؤمنوا، ولا تؤمنوا حتى تحابوا.. أفشوا السلام بينكم"(10) ويعمل بتوجيه ملزم "أمرنا رسول الله صلى الله عليه وسلم بسبع، بعيادة المريض، واتباع الجنائز، وتشميت العاطس، ونصر الضعيف، وعون المظلوم، وإفشاء السلام، وإبرار المقسم"(11) وكلها توجيهات وآداب توثق العلاقات بين الناس، وتقوي المعنويات العامة في المجتمع.
    كانوا إذا التقوا تصافحوا مع بشاشة الوجه، وإذا جلسوا فسحوا لبعضهم، يصلون الجيران والأرحام، ويبتعدون عن عوامل الشقاق والتقاطع والتدابر، وهو سمت يحتاجه المجتمع البشري في كل زمان ومكان.
    "كان أبو بكر رضي الله عنه يحلب للحي أغنامهم، فلما استخلف قالت جارية منهم: الآن لا يحلبها، فقال أبو بكر: بلى وإني لأرجو أن لا يغيرني ما دخلت فيه عن شيء كنت أفعله"(12).
    "وكان عمر بن الخطاب رضي الله عنه يتعاهد الأرامل يستقي لهن الماء بالليل".(13) وكان التأكيد على صلة الأرحام قوياً يهدف إلى بناء الوحدات الاجتماعية الصغيرة على أساس من التكافل والتعاطف والحب، مما يجعل الأسرة والعشيرة مترابطة مرصوصة، ونظراً لأن الإسلام حرم العصبية القبلية وغيرها من العصبيات، ودعا إلى التناصر في الحق، فإن الأسر والعشائر كانت متكافلة ، يسعى أفرادها إلى سد الثغرات والخلل، بإغاثة اللهفان وإطعام الجوعان وإكساء العريان، فكان أبناء العشيرة يتضامنون في دفع الديات، كما يتضامن الجيران على مصاعب الحياة "ما زال جبريل يوصيني بالجار حتى ظننت أنه سيورثه"(14) ويتضمن أبناء القرية الواحدة "أيما أهل عرصة أصبح فيهم امرؤً جائعاً فقد برئت منهم ذمة الله"(15). وقد أدى توثيق عرى التعاون والأخذ بمبدأ التكافل الاجتماعي داخل الوحدات الاجتماعية الصغيرة إلى دعم التكافل العام على صعيد المجتمع.
    وقد سجل القرآن مآثر الأنصار العظيمة عندما آووا المهاجرين حتى أرادوا مقاسمتهم نخلهم، وهو مصدر معيشتهم، لكن الرسول صلى الله عليه وسلم طلب من الأنصار أن يقوموا بإدارة بساتين النخيل، ويحتفظوا بها لأنفسهم على أن يشركوا المهاجرين في الثمر(16).
    من هنا استحقوا الوصف القرآني "ويؤثرون على أنفسهم ولو كان بهم خصاصة"(17) .
    ولا نعرف إذا كانت الشركة في التمر محددة بنظام كالمناصفة، أو المقصود قيام الأنصار بإعالة المهاجرين في تلك المرحلة.
    ويبدو أن الرسول صلى الله عليه وسلم لم يشأ أن يشغل المهاجرين بالزراعة فهو يحتاجهم لمهام الدعوة والجهاد، كما أن المهاجرين (لا يعرفون العمل) كما عبر الرسول صلى الله عليه وسلم مما يؤدي إلى خفض الإنتاج الزراعي الذي تحتاجه المدينة.
    كما وهبت الأنصار لرسول الله صلى الله عليه وسلم كل فضل في خططها، وقالوا له: إن شئت فخذ منا منازلنا، فقال لهم خيراً، وابتني لأصحابه أراض وهبتها لهم الأنصار وأراض ليست ملكاً لأحد(18).
    وقد أثرت هذه المعاملة الكريمة في نفوس المهاجرين، فلهجت ألسنتهم بكرم الأنصار، عن أنس قال: قال المهاجرون: يا رسول الله ما رأينا مثل قوم قدمنا عليهم أحسن مواساة في قليل ولا أحسن بذلاً من كثير، لقد كفونا المئونة ، وأشركونا في المهنأ، حتى لقد خشينا أن يذهبوا بالأجر كله، قال: "لا ما أثنيتم عليهم ودعوتم الله لهم"(19) وكان التاريخ يسجل للأنصار مأثرة إثر مأثرة.
    * نظام المؤاخاة:
    ورغم بذل الأنصار وكرمهم فإن الحاجة إلى إيجاد نظام يكفل للمهاجرين المعيشة الكريمة ظلت قائمة، وخاصة وأن أنفة المهاجرين ومكانتهم تقتضي معالجة أحوالهم بتشريع يبعد عنهم أي شعور بأنهم عالة على الأنصار، فكان أن شرع نظام المؤاخاة ، وذلك في السنة الأولى للهجرة بعد بناء المسجد أو خلاله، وأعلن النظام في دار أنس بن مالك ، وشمل خمسة وأربعين رجلاً من المهاجرين ومثلهم من الأنصار، وترتبت على النظام حقوق خاصة بين المتآخين كالمواساة والتوارث، مما يرقى بالعلاقات بينهم إلى مستوى أعمق من أخوة النسب، وقد طابت نفوس الأنصار بما سيبذلونه لإخوانهم المهاجرين من عون، وتصور بعض الروايات عمق التزامهم بنظام المؤاخاة وتفانيهم في تنفيذه، ومن الصور الفريدة في تاريخ البشر ما حدث بين سعد بن الربيع "الأنصاري" وعبد الرحمن بن عوف "المهاجر" حيث قال له سعد: إن لي مالاً فهو بيني وبينك شطران، ولي امرأتان فانظر أيهما أحب إليك فأنا أطلقها فإذا حلت فتزوجها، قال عبد الرحمن: بارك الله لك في أهلك ومالك، دلني على السوق، فلم يرجع حتى رجع بسمن وأقط قد أفضله، قال: ورأى رسول الله صلى الله عليه وسلم عليّ أثر صفرة فقال: مهيم؟ فقلت: تزوجت امرأة من الأنصار، فقال: أو لم ولو بشاة(20).
    وليس موقف ابن عوف في أنفته وكرم خلقه وعدم استغلاله لأخيه بأقل روعة من إيثار ابن الربيع.
    ولا شك أن التوارث بين المتآخين كان لمعالجة ظروف استثنائية مرت بها الدولة الناشئة، فلما ألف المهاجرون جو المدينة ، وعرفوا مسالك الرزق فيها، وأصابوا من غنائم بدر، رجع التوارث إلى وضعه الطبيعي المنسجم مع الفطرة البشرية على أساس صلة الرحم، وأبطل التوارث بين المتآخين بنص القرآن "وأولوا الأرحام بعضهم أولى ببعض في كتاب الله"(21) "وأما المؤاخاة في الإسلام والمحالفة على طاعة الله والتناصر في الدين والتعاون على البر والتقوى وإقامة الحق فباق لم ينسخ"(22) وهذا يفسر استمرار عقد المؤاخاة حتى نهاية عصر السيرة(23).
    إن التأكيد على الحب والتآلف والتعاون والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ، والحث على التكافل الاجتماعي وعلى بناء الأسرة، والتربية الإيمانية لذلك الجيل، لم يمنع من تحصين المجتمع والحفاظ على أمنه الداخلي بالتشريعات، وكانت عقوبات القتل العمد والزنا والسرقة وشرب الخمر شديدة تستهدف الردع، لكن الحدود المطبقة فعلاً لم تتناول بأنواعها جميعاً إلا أفراداً لا يتجاوزون أصابع اليد.. كما حدث مع ماعز والغامدية في إقامة حد الزنا عليهما..
    إن إقرار العدل وتحريم الظلم كفيل بحلول الأمن في المجتمع ؛ مما يحقق الرخاء والسعادة للإنسان.
    وتحريم العدوان على النفس البريئة بالقتل نص عليه القرآن بقوله تعالى: "ومن يقتل مؤمناً متعمداً فجزاؤه جهنم"(24) قال سعيد بن جبير: اختلف أهل الكوفة في هذه الآية ، فرحلت إلى ابن عباس فسألته عنها فقال: "لقد أنزلت آخر ما أنزل ثم ما نسخها شيء(25) وذلك لأن جريمة القتل من أخطر الجرائم على المجتمع، وإزهاق الروح البريئة عدوان ليس على صاحبها فحسب بل على المجتمع كله في قوله تعالى: "من قتل نفساً بغير نفس أو فساد في الأرض فكأنما قتل الناس جميعاً ومن أحياها فكأنما أحيا الناس جميعاً"(26) ومن أجل الحفاظ على حق الحياة للأفراد والجماعات شرع الله تعالى القصاص لذلك قال تعالى: "ولكم في الحياة قصاص يا أولي الألباب لعلكم تتقون"(27).
    وقد أدى تطبيق الحدود الإسلامية في القرون الأولى إلى تحقيق الأمن وتقليص الجريمة، فالعقوبة الرادعة والتوجيه الراشد تعاونا على تحصين المجتمع من الجرائم، بإزالة البواعث على الجريمة وسيادة الشريعة وتطبيق الحدود، وتوجيه المجتمع نحو عبادة الله وطاعته، وإقرار التكافل الاجتماعي بين الناس، والحث على العمل وطلب الرزق الحلال، والحرص على نظافة العلاقات الاجتماعية بالحث على الزواج وتحريم الفواحش ما ظهر منها وما بطن، وتحقيق تكافؤ الفرص في السعي لطلب الرزق أو تحقيق "الذات" وما تصبو إليه من مطامع مشروعة، وضمان الحريات العامة التي تحقق كرامة الإنسان ورفعته، وضمان حدود الاكتفاء الدنيا لكل إنسان في المأكل والملبس والسكن والتنقل، فإذا حقق المجتمع الإسلامي ذلك فإنه يقضي على دوافع الجريمة إلا بالنسبة للمنحرفين الشاذين ، فإنه قد لا يفلح معهم التوجيه ولا الضمان والتطمين الاجتماعي والاقتصادي، فهؤلاء لا تردعهم إلا العقوبة اللائقة والقصاص المناسب "وما الله يريد ظلماً للعالمين"(28).
    ولقد أدى تخفيف العقوبات لجرائم القتل والاغتصاب والسرقة في القوانين الوضعية إلى شيوع هذه الجرائم وكثرتها في مجتمع الحضارة الغربية، حتى لا تكاد تمر ساعة إلا وتقع جريمة قتل أو أكثر، فضلاً عن حوادث الاغتصاب والسرقة ؛ مما أفقد هذه المجتمعات الأمان ، وأدى إلى مطالبة الناس بتشديد العقوبة على المجرمين لردعهم عن ارتكاب الجرائم بعد أن كان البعض من مثقفيهم يعيب على الإسلام قتل القاتل وقطع يد السارق ورجم الزاني ، وينسب إليه الوحشية والقسوة، ولكن الوقائع اليومية وأحداث المجتمعات الغربية دلت على سلامة الاتجاه نحو الردع للجريمة والمجرمين بعد تحقيق الضمانات الاجتماعية العادلة و "إن الله لا يظلم الناس شيئاً ولكن الناس أنفسهم يظلمون"(29).
    * مجتمع عقدي(30):
    ولا شك أن الروابط التي تجمع بين الناس مختلفة، وهم يجتمعون بشكل قبائل وشعوب وأوطان وقوميات، وقد يجتمع أبناء القوميات المختلفة تحت لواء واحد بسبب الدين أو المصالح المشتركة، وتعتبر آصرة القربى أو الدم والانتماء إلى أصل عرقي من أقدم الروابط التي كونت المجتمعات البشرية، ويوم أن ظهر الإسلام كانت تجمعات الناس تظهر بشكل قبائل كما في جزيرة العرب وأماكن أخرى، وقوميات كما في بلاد فارس، ومجتمعات دينية كما في الإمبراطورية البيزنطية، وقد جعل الإسلام رابطة العقيدة هي الأساس الأول في ارتباط الناس وتآلفهم ، وإن أقر بعض الأواصر الأخرى إذا انضوت تحت هذا الأصل ، مثل الأرحام التي حث الإسلام على وصلها، ورتب على ذلك الأحكام المتعلقة بالتكافل الاجتماعي والإرث ، ومثل صلة الجوار وما يترتب عليها من حقوق الجار ، ومثل الصلة بين أفراد العشيرة وما يترتب عليها من تضامن في الديات ، ومثل الصلة بين أبناء المدينة وجعلهم أولى من سواهم بزكاة أغنيائهم..
    لكن هذه الصلات ينبغي أن تنضوي تحت آصرة العقيدة، فإذا خالفتها وأضرت بها لم يبق لها أي اعتبار، فأساس الارتباط في الإسلام هو العقيدة التي قد تقتضي مصلحتها التفريق بين المرء وأبيه أو ابنه أو زوجته أو عشيرته.. وهكذا قاتل أبو عبيدة رضي الله عنه أباه- وهو يمجد الأصنام- فقتله عندما التقى به في معركة بدر الكبرى، ورأى أبو حذيفة رضي الله عنه أباه المشرك وهو يسحب ليرمي في القليب ببدر دون أن ينكر قلبه ذلك(31).
    قال ابن إسحق(32): وحدثني ابن وهب أخو بني عبد الدار أن رسول الله صلى الله عليه وسلم حين أقبل بالأساري فرقهم بين أصحابه وقال: استوصوا بهم خيراً، وكان أبو عزيز بن عمير بن هاشم أخو مصعب بن عمير لأبيه وأمه في الأسرى، قال أبو عزيز: مر بي أخي مصعب بن عمير ورجل من الأنصار يأسرني فقال: أشدد يديك به فإن أمه ذات متاع لعلها تفديه منك.. قال ابن هشام: وكان أبو عزيز هذا صاحب لواء المشركين ببدر بعد النضر بن الحارث ، ولما قال أخوه مصعب لأبي اليسر- وهو الذي أسره- ما قال، قال له أبو عزيز: يا أخي هذه وصاتك بي؟ فقال له مصعب إنه أخي دونك.
    روى الترمذي(33) بإسناد قال عنه حسن صحيح وهو: حدثنا ابن أبي عمر أخبرنا سفيان عن عمرو بن دينار سمع جابر بن عبد الله يقول كنا في غزاة- قال سفيان يرون أنها غزوة بني المصطلق- فكسع رجل من المهاجرين رجلاً من الأنصار... وفيه فسمع ذلك عبد الله بن أبي بن سلول فقال: أو قد فعلوها؟ والله لئن رجعنا إلى المدينة ليخرجن الأعز منها الأذل، وقال غير عمرو: فقال له ابنه عبد الله بن عبد الله: "والله لا تنقلب حتى تقر أنك الذليل ورسول الله صلى الله عليه وسلم العزيز ففعل". وقد كان عبد الله بن عبد الله بن أبي باراً بأبيه هياباً له(34) لكن مصلحة العقيدة هي المعتبرة عنده أولاً ، فلما رأى أباه يؤذي المسلمين عرض على النبي صلى الله عليه وسلم أن يقتله ويأتيه برأسه(35).
    وقد أوضح القرآن الكريم ذلك فيما قصه عن نوح عليه السلام وابنه "ونادى نوح ربه فقال رب إن ابني من أهلي وإن وعدك الحق وأنت أحكم الحاكمين، قال يا نوح إنه ليس من أهلك إنه عمل غير صالح فلا تسألني ما ليس لك به علم إني أعظك أن تكون من الجاهلين"(36) وهكذا بين الحق سبحانه أن ابن نوح وإن كان من أهله باعتبار القرابة لكنه لم يعد من أهله لما فارق الحق وكفر بالله ولم يتبع نوحاً نبي الله، وصرح القرآن الكريم بعلة انقطاع الآصرة بين نوح وابنه بقوله: "إنه عمل غير صالح" فإذا كانت القرابة من الدرجة الأولى تنبت، عندما تصطدم بالعقيدة فالأحرى أن تنبت صلات الدم والعرق والوطن واللون إذا اصطدمت بمصلحة العقيدة.
    وقد حصر الإسلام الأخوة والموالاة بين المؤمنين فقط قال تعالى: "إنما المؤمنون إخوة"(37) وقطع الولاية بين المؤمنين والكافرين من المشركين واليهود والنصارى حتى لو كانوا آباءهم وإخوانهم أو أبناءهم ووصف من يفعل ذلك من المؤمنين بالظلم ؛ مما يدل على أن موالاة المؤمنين للكافرين من أعظم الذنوب ، قال تعالى: "يا أيها الذين آمنوا لا تتخذوا آباءكم وإخوانكم أولياء إن استحبوا الكفر على الإيمان ومن يتولهم منكم فأولئك هم الظالمون"(38).
    وقد وضع القرآن الكريم مصالح المسلم وعلاقاته الدنيوية كلها في كفة ووضع حب الله ورسوله والجهاد في سبيل العقيدة في كفة أخرى، وحذر المؤمنين وتوعدهم إن هم غلبوا مصالحهم وعلاقاتهم الاجتماعية على مصلحة العقيدة ، قال تعالى: "قل إن كان آباؤكم وأبناؤكم وأخوانكم وأزواجكم وعشيرتكم وأموال اقترضتموها وتجارة تخشون كسادها ومساكن ترضوها أحب إليكم من الله ورسوله وجهاد في سبيله فتربصوا حتى يأتي الله بأمره والله لا يهدي القوم الفاسقين"(39).
    وقد نزلت هذه الآيات من سورة التوبة في الحض على الهجرة إلى المدينة المنورة للدفاع عن الدولة الإسلامية التي نشأت فيها.. وقد نجح الصحابة الكرام في امتحان العقيدة... ففارقوا الأهل والأموال والمساكن التي يحبونها وهاجروا إلى الله ورسوله والجهاد في سبيله.
    وخلاصة القول أن المجتمع المدني الذي أقامه الإسلام كان مجتمعاً عقيدياً، يرتبط بالإسلام، ولا يعرف الموالاة إلا الله ولرسوله وللمؤمنين، وهو أعلى أنواع الارتباط وأرقاها ، إذ يتصل بوحدة العقيدة والفكر والروح ، فالمؤمنون بعضهم أولياء بعض ، تتكافأ دماؤهم ، ويسعى بذمتهم أدناهم ، وهم يد على من سواهم.
    وهذا المجتمع مفتوح لمن أراد أن ينتمي إليه مهما كان لونه أو جنسه ، على أن ينخلع من صفاته الجاهلية ويكتسب الشخصية الإسلامية ليتمتع بسائر حقوق المسلمين.
    * مجتمع محبة لا يعترف بالصراع الطبقي:
    وقد أقام الإسلام المجتمع المدني على أساس الحب والتكافل، كما في الحديث الشريف "مثل المؤمنين في توادهم وتراحمهم مثل الجسد الواحد إذا اشتكى منه عضو تداعى له سائر الجسد بالسهر والحمى"(40) فالتواد والرحمة والتواصل أساس العلاقة بين أفراد المجتمع كبيرهم وصغيرهم غنيهم وفقيرهم حاكمهم ومحكومهم.
    وقد تكفلت تعاليم الإسلام بتدعيم الحب وإشاعته في المجتمع، ففي الحديث النبوي "لا يؤمن أحدكم حتى يحب لأخيه ما يحب لنفسه"(41) فيعيش المؤمنون بعيداً عن الأثرة والاستغلال وهم يتعاونون في مواجهة أعباء الحياة "فمن كان في حاجة أخيه كان الله في حاجته"(42). "والله في عون العبد ما كان العبد في عون أخيه"(43).
    وعلاقات المؤمنين قائمة على الاحترام المتبادل فلا يستعلي غني على فقير ولا حاكم على محكوم ولا قوي على ضعيف "بحسب امرئ من الشر أن يحقر أخاه المسلم"(44) رواه الإمام مسلم.
    وقد تفتر العلاقة بين المسلم وأخيه أو تنقطع ساعة غضب لكن انقطاعها لا يستمر فوق ثلاث ليال "لا يحل لمسلم أن يهجر أخاه فوق ثلاثة أيام"(45).
    وتدعم أسس الحب بالصلة والصدقة "تهادوا تحابوا"(46) ويضع الغني أمواله في خدمة المجتمع وسد الثغرات التي تظهر في بنائه الاقتصادي ؛ بسبب التفاوت في توزيع الثروة ، فيخرج زكاة أمواله فريضة من الله ، ويواسي المحتاجين بأموالهم ؛ حتى إنهم ليفرحون إذا كثرت ثروته ؛ إذ تعود عليهم بالخير والمواساة.
    أخرج الإمام البخاري عن أنس بن مالك رضي الله عنه قال: "كان أبو طلحة أكثر أنصاري المدينة نخلاً، وكان أحب أمواله إليه بيرحاء، وكانت مستقبلة المسجد وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم يدخلها ويشرب من ماء فيها طيب، فلما نزلت "لن تنالوا البر حتى تنفقوا مما تحبون"(47) قام أبو طلحة فقال: يا رسول الله: إن الله يقول: "لن تنالوا البر حتى تنفقوا مما تحبون" وإن أحب أموالي إليّ (بيرحاء) وإنها صدقة لله أرجو برها وذخرها عند الله، فضعها يا رسول الله حيث أراك الله، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ذلك مال رايح(48) ذلك مال رايح ، وقد سمعت ما قلت وإني أرى أن تجعلها في الأقربين، فقال أبو طلحة: أفعل يا رسول الله، فقسمها أبو طلحة في أقاربه وبني عمه(49).
    وروى البخاري بإسناده عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: "أتى رجل رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: يا رسول الله أصابني الجهد، فأرسل إلى نسائه فلم يجد عندهن شيئاً، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم ألا رجل يضيفه الليلة يرحمه الله؟ فقام رجل من الأنصار فقال: أنا يا رسول الله، فذهب إلى أهله فقال لامرأته: ضيف رسول الله صلى الله عليه وسلم لا تدخريه شيئاً فقالت: والله ما عندي إلا قوت الصبية، قال: فإذا أراد الصبية العشاء فنوميهم، وتعالي فاطفئي السراج ونطوي بطوننا الليلة، ففعلت، ثم غدا الرجل على رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: لقد عجب الله عز وجل- أو ضحك- من فلان وفلانة فأنزل الله عز وجل "ويؤثرون على أنفسهم ولو كان بهم خصاصة"(50).
    والإيثار هو البذل، وتخصيصك لمن تؤثره على نفسك، وهو عكس الأثرة التي هي استئثار صاحب الشيء عليك وحوزه للشيء دونك، والإيثار أعلى مراتب الكرم، ولا يقوى عليه إلا أهل العزائم من الناس الذين صقلتهم العقيدة وربتهم تعاليم الإسلام، وقد ظهرت هذه الخلال الكريمة والصفات النجيبة في أقوى صورها وأعمق معانيها في جيل الصحابة الكرام، ذلك الجيل الذي تمثل العقيدة والتعاليم الإسلامية وتشرب معانيها ، فكان بحق جيل المثالية الواقعية، فكان أحدهم قرآن يمشي على رجلين، بل هم كذلك، ما إن تنزل الآية تحث على المعروف ، وتندب إلى الغير حتى يسارعوا للعمل بمقتضاها.
    ومثل هذا كثير في سير المسلمين من سلفنا الصالح ؛ لذلك لم تظهر الروح الطبقية ولم يحدث الصراع الطبقي.. ولم يتكتل الناس وفق مصالحهم الاقتصادية لحرب من فوقهم أو تحتهم.. إن المجتمع الإسلامي لم يشهد صراع الطبقات ، ولا يعرف استعلاء غني على فقير ، ولا حاكم على محكوم ، ولم يعترف ابتداء باختلاف البشر تبعاً لألوانهم وأعراقهم أو دمائهم، فالمسلمون سواسية كأسنان المشط لا فضل لأحد على أحد إلا بالتقوى.. والمجتمع الإسلامي مفتوح أمام الجميع ، ففرص الارتقاء والكسب متكافئة أمام أفراده، والعلاقات الاجتماعية متكافئة أيضاً ، فلم يحدث أن منع فقير من الزواج بغنية ، أو حجب ضعيف من الترقي إلى أرفع مناصب الدولة وأعلى مراكز القيادة والتوجيه في المجتمع، فليست هناك طبقية يصطدم رقي الفرد بسقوفها ، ولو قدر للمجتمع الإسلامي أن يستمر في تقدمه العلمي والحضاري ويمسك بزمام البشرية اليوم لظهرت مزايا الإسلام في بناء مجتمع متراص على أساس الحب والتكافل ، وليس الحقد والصراع الذي ليس وراءه إلا الدمار.
    ولم يكن ذلك المجتمع حلماً من أحلام الطوبائيين ولا رؤى للحكماء المتفلسفين، ولكنه واقع عاشه النبي المعلم وأصحابه منذ أن تفاعل الوحي الإلهي مع الفطرة الإنسانية على يد محمد بن عبد الله قبل أربعة عشر قرناً، وإذ بالقبائل المتصارعة على الكلأ والماء، والمتعصبة للنسب والأهواء، والمنغلقة على بعضها "إذا بها تتحول من الولاء الفردي والقبلي إلى الولاء لله والرسول وتنتمي إلى "أمة الإسلام غير آبهة لكل روابط الجاهلية وعلاقاتها ؛ حتى إذا حاول الأعداء من اليهود أو المنافقون إثارة العصبيات القديمة والتذكير بمعارك الجاهلية وأيام العرب التي استغرقت العرب في جاهليتهم لم يلق الأعداء سوى الآذان الصماء والتصميم على الوحدة الإيمانية الجديدة ، كانت الأمة الوليد يقظة لكل محاولات التمزيق فلم تفلح دسائس يهود لإعادة النزاع بين الأوس والخزرج ، ولا محاولات عبد الله بن أبي بن سلول زعيم المنافقين لشق الصدع بين الأنصار والمهاجرين ، غمضت الأمة رافعة هاماتها شامخة بإيمانها معتزة بوحدتها وإسلامها، فقد وضعت العقيدة فوق كل اعتبار محققة معنى الإيمان الصحيح، وكانت العقيدة تدفع إلى العمل الصالح، فالصلوات الخمس والذكر الدائم لله تعالى وبذل النصيحة والإخلاص في الحب والإتقان في العمل والتعاون على مطالب الحياة، كل ذلك كان يتم تحت شعار قوله تعالى: "وإذ تأذن ربكم لئن شكرتم لأزيدنكم"(51) كان العمل الصالح يتسع نطاقه كل يوم لأن من استوى يوماه فهو مغبون، وكان الذكر والشكر بالثناء على الله المنعم مرة وبالبذل والإنفاق فيما يحبه الله ويرضاه مرة أخرى.. ورسول الله صلى الله عليه وسلم يربي أتباعه على هذه المعاني ، ويجعلهم يعيشون على الأرض وقلوبهم موصولة بالله متطلعة إلى ما عنده من "جنة عرضها السموات والأرض أعدت للمتقين"(52) و"فيها ما لا عين رأت ولا أذن سمعت ولا خطر على قلب بشر"(53).
    وإذا كان هذا هو موقف أغنياء المسلمين في المجتمع المدني فما هو موقف ضعفائهم وفقرائهم؟
    لقد وقف الأغنياء والفقراء يجاهدون في صف واحد، فالعقيدة الإسلامية منعت ظهور الصراع الطبقي في المجتمع الإسلامي ، وآخت بين الأغنياء والفقراء ، ووحدت الصف الداخلي لمواجهة متطلبات الجهاد ، وهذه صورة من المجتمع المدني توضح كيف عاشت مجموعة من أفقر المسلمين في عصر السيرة.
    قال تعالى: "للفقراء الذين أحصروا في سبيل الله لا يستطيعون ضرباً في الأرض يحسبهم الجاهل أغنياء من التعفف تعرفهم بسيماهم لا يسألون الناس إلحافاً ، وما تنفقوا من خير فإن الله به عليم"(54) ذكر ابن سعد في طبقاته(55) بإسناده إلى محمد بن كعب القرظي أن هذه الآية نزلت في أهل الصفة وذكر الطبري(56) في تفسيره بأسانيده عن مجاهد والسدي أنها نزلت في فقراء المهاجرين.
    وقد أبطل الربا في مجتمع المدينة المنورة بنص القرآن ، وكانت يهود تمارسه بنطاق واسع ، وكذلك بعض أغنياء المدينة، كما منع الاحتكار ، وروقبت الأسواق لمنع الغش في البضائع، وقد تطور ذلك إلى نظام الحسبة المشهور في التاريخ الإسلامي.
    كما حوربت مظاهر الترف والإسراف وإتلاف الثروة أو منعها من التداول عن طريق الكنز مع عدم إخراج زكاتها، واتضح للجميع أن في المال الذي يملكه الأغنياء حقاً للمجتمع فمنع السفهاء من التلاعب بأموالهم، ولم يربط بين الحصول على المال وبين المكانة الاجتماعية للمسلم إذ "الغنى غنى النفس"(57). كما حرم القمار وبيوع الغرر حفظاً لأموال الناس وحقوقهم وحددت قواعد الكسب الطيب ومجالات الإنفاق الطيب، وكان أغنياء المسلمين يتصدقون بالأموال العظيمة لسد الخلل في المجتمع، وفي أعمال المروءات وتجهيز الجيوش، وكان عبد الرحمن بن عوف مثالاً للتاجر المسلم وهو يدعو عند طوافه بالبيت العتيق، "رب قني شح نفسي".
    * مجتمع أمين :
    قال تعالى: "وما كان لنبي أن يغل ومن يغل يأت بما غل يوم القيامة ثم توفى كل نفس ما كسبت وهم لا يظلمون"(58).
    الغلول هو أخذ شيء من الأموال العامة دون معرفة الأمير الحاكم، والإسلام يحرص على عدالة التوزيع، وعلى إيصال الحقوق لأصحابها، والأموال العامة فيها حق للمواطنين جميعاً، فما ينبغي لأحد منهم أن يأخذ شيئاً من هذه الموال دون الباقين.
    والآية الكريمة تبين أن النبي صلى الله عليه وسلم كان لا يغل لنفسه شيئاً مع مقامه العظيم وأمانته على الرسالة الإلهية، فما كان ليأخذ شيئاً من الغنيمة قبل قسمتها، وقد وردت قراءة أخرى ببناء الفعل (يغل) للمجهول فيقرأ (وما كان لنبي أن يغل) أي أن يخونه أصحابه، وبهذا تكون الآية في نهي المسلمين عن خيانة الرسول صلى الله عليه وسلم باقتطاع شيء من الأموال العامة دونه علمه ، وعن زيد بن خالد الجهني: "أن رجلاً من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم توفي يوم خيبر فذكروا ذلك لرسول الله صلى الله عليه وسلم ، فقالوا: صلوا على صاحبكم، فتغيرت وجوه الناس لذلك فقال: إن صاحبكم غل: في سبيل الله، ففتشنا متاعه فوجدنا خرزاً من خرز يهود لا يساوي درهمين"(59).
    فليتأمل المسلم كيف أن خرزاً لا يساوي درهمين اقتطعه مسلم من الأموال العامة أدى إلى امتناع الرسول صلى الله عليه وسلم من الصلاة عليه، فكيف بمن يقتطع الألوف والملايين من الأموال العامة يأكل منها ويشرب ويكتسي ويبني ويبذخ دون مبالاة بالحرام الذي يرتع فيه.
    وقد وضح النبي صلى الله عليه وسلم لأتباعه مصير من يسرق من المال العام كالغنيمة قبل قسمتها ، وأن مآله إلى النار فروى أبو هريرة (رضي الله عنه) قال: "خرجنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم عام خيبر.. وقد أهدي لرسول الله صلى الله عليه وسلم عبد أسود يقال له مدعم... فبينا مدعم يحط رحل رسول الله صلى الله عليه وسلم إذ جاءه سهم فقتله، فقال الناس، هنيئاً لك الجنة، فقال النبي صلى الله عليه وسلم والذي نفسي بيده أن الشملة التي أخذها يوم خيبر من المغانم لم تصبها المقاسم لتشتعل عليه ناراً" فلما سمعوا ذلك جاء رجل بشراك أو شراكين إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "شراك من نار أو قال: شراكين من نار"(60).
    وكانت عقوبة الغال من الأموال العامة أن يحرق متاعه كما في حديث عمر ابن الخطاب (رضي الله عنه): عن النبي صلى الله عليه وسلم: "إذا وجدتم الرجل قد غل فأحرقوا متاعه واضربوه"(61)، وهذه العقوبة فيها زجر وردع لمن تسول له نفسه الأخذ من المال العام، وللحاكم أن يقرر عقوبة أخرى تحقق المصلحة العامة والحفاظ على المال العام.
    وقد نهى الرسول صلى الله عليه وسلم عن تأخير تسليم الغنائم عن الوقت المحدد لذلك واعتبره غلولاً، لأن تأخير تسليم المال العام قد يؤدي إلى تعطيل منفعته عن الأمة واستفادة من بحوذته ذلك المال منه وحده ثم بعد أن يحقق هذه الفائدة يقوم بتسليمه معتقداً أنه بذلك أبرأ ذمته، يدل على ذلك حديث عبد الله بن عمر (رضي الله عنهما) قال: "كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا أصاب غنيمة أمر بلالاً فنادى في الناس، فيجيئون بغنائمهم، فيخمسه ويقسمه، فجاء رجل بعد ذلك بزمام من شعر فقال: يا رسول الله هذا فيما كنا أصبناه من الغنيمة فقال: أسمعت بلالا ينادي ثلاثاً؟ قال: نعم، قال: فما منعك من أن تجيء به؟ قال: يا رسول الله فأعتذر [إليه]، فقال: "كن أنت تجيء به يوم القيامة فلن أقبله عنك"(62).
    وقد جعل الإسلام عقوبة الغال أن يأتي بما غل يوم القيامة يحمله، عن أبي حميد الساعدي قال: استعمل رسول الله صلى الله عليه وسلم رجلاً من الأسد يقال له ابن اللتبية على الصدقة، فلما قدم قال: هذا لكم وهذا لي، أهدي إليّ، قال: فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم على المنبر فحمد الله وأثنى عليه وقال: "ما بال عامل أبعثه فيقول: هذا لكم وهذا أهدي لي!! أفلا قعد في بيته أبيه أو في بيت أمه حتى ينظر أيهدى إليه أم لا. والذي نفس محمد بيده! لا ينال أحد منكم منها شيئاً إلا جاء به يوم القيامة يحمله على عنقه، بعير له رغاء، أو بقرة لها خوار، أو شاة تيعر، ثم رفع يديه حتى رأينا عفرتي إبطيه. ثم قال: اللهم هل بلغت؟" مرتين(63).
    وقد يسعى الغال من المال العام إلى التفكير عن خطيئته ببناء المساجد والتصدق على الفقراء والمشاركة في الأعمال الخيرية، وقد قال عليه الصلاة والسلام: "لا تقبل صلاة بغير طهور ولا صدقة من غلول"(64) فينبغي إذا التوبة بإعادة المال إلى الأمة فهو حق لها والإقلاع عن هذه العادة واعتزام الاستقامة ، فإن المال قوام الحياة، والأمة التي لا مال لها، أو لها مال يعبث به الغالون ويقتطع منه السارقون، لا تقوم لها قائمة في الأرض، وفقر بعض الأمم في هذه العصر جر إلى نكبتها بالاستعمار وإذلالها للغير ما داموا يكسونها ويطعمونها.
    ومن هنا حرص الإسلام على الثروة العامة، وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم يوصي عماله ويذكرهم بالمحافظة على أموال الأمة وعدم الغلول منها على الرغم مما كان عليه أولئك الولاة من الإيمان والأمانة والورع والاستقامة ، عن معاذ بن جبل (رضي الله عنه) قال: "بعثني رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى اليمن، فلما سرت أرسل في أثري فرددت، فقال: أتدري لم بعثت إليك؟ لا تصيبن شيئاً بغير إذني فإنه غلول ، ومن يغلل يأت بما غل يوم القيامة، لهذا دعوتك، فأمض لذلك"(65).
    ومن عقوبة الغالين يوم القيامة امتناع الرسول صلى الله عليه وسلم من الشفاعة لهم، قال أبو هريرة (رضي الله عنه): "قام فينا رسول الله صلى الله عليه وسلم ذات يوم، فذكر الغلول، فعظمه وعظم أمره ثم قال: لا ألفين أحدكم يجيء يوم القيامة على رقبته بعير له رغاء يقول: يا رسول الله أغثني، فأقول: لا أملك لك شيئاً قد أبلغتك، لا ألفين أحدكم يجيء يوم القيامة على رقبته فرس له حمحمة فيقول: يا رسول الله: أغثني، فأقول: لا أملك لك شيئاً قد أبلغتك... لا ألفين أحدكم يجيء يوم القيامة على رقبته رقاع تخفق فيقول: يا رسول الله: أغثني. فأقول: لا أملك لك شيئاً قد أبلغتك، لا ألفين أحدكم يجيء يوم القيامة على رقبته صامت- يعني ذهباً أو فضة- فيقول: يا رسول الله، فأقول: لا أملك لك شيئاً قد أبلغتك"(66).
    وقد يستقل البعض الشيء القليل من المال العام فيقتطعه لنفسه دون حق مستخفاً به لقلة ثمنه، لكن الرسول صلى الله عليه وسلم اعتبر المخيط غلولاً كما في حديث عدي بن عميرة الكندي قال: سمعت رسول الله (ص) يقول: "من استعملناه منكم على عمل فكتمنا مخيطاً فما فوقه كان غلولاً يأتي به يوم القيامة"(67) وقال صلى الله عليه وسلم "من فارق الروح الجسد وهو برئ من ثلاث دخل الجنة: الكنز والدين والغلول"(68).
    وقد أثرت تعاليم القرآن والسنة هذه في صياغة الشخصية الإسلامية وخاصة في القرون الأولى المباركة، فإذا بالوعي الديني والخلقي يبلغ بالنفوس أعلى الدرجات، وإذا بالأقوال والأعمال تتطابق مع مطالب وتوجيهات الوحي الإلهي.
    روى الطبري أنه "لما هبط المسلمون المدائن، وجمعوا الأقباض، أقبل رجل بحق معه، فدفعه إلى صاحب الأقباض، فقال والذين معه: ما رأينا مثل هذا قط، ما يعدله ما عندنا ولا يقاربه: فقالوا: هل أخذت منه شيئاً؟ فقال: أما والله لولا الله ما أتيتكم به، فعرفوا أن للرجل شأناً، فقالوا: من أنت؟ قال: لا والله لا أخبركم لتحمدوني، ولا غيركم ليقرظوني، ولكني أحمد الله وأرضى بثوابه، فأتبعوه رجلاً حتى انتهى إلى أصحابه فسأل عنه فإذا هو عامر بن عبد قيس"(69) رحمه الله من قدوة عالية ونموذج شامخ بناه الإسلام.
    * مجتمع دستوري(70):
    وقد نظم الرسول (صلى الله عليه وسلم) العلاقات بين سكان المدينة من المهاجرين والأنصار واليهود في دستور معلن واضح البنود يهدف إلى بيان التزامات جميع الأطراف داخل المدينة، وتحديد الحقوق والواجبات ومن الحق أن يتضح أن القسم الخاص بالعلاقات بين المسلمين من المهاجرين والأنصار هو الثابت وفق مقاييس المحدثين ، وبالتالي فإنه وحده الصالح للاستدلال الشرعي به...
    وأما القسم المتعلق بيهود فإنه لا يثبت حديثياً، لكن المؤرخين المسلمين أوردوه ، ولم يتعرض لنفيه أحد منهم، فلا مانع من الإفادة منه في الدراسة التاريخية دون الاستناد عليه في قضايا تتعلق بالعقيدة والشريعة.
    لقد أوضحت البنود المتعلقة بالمهاجرين والأنصار وحدة الأمة وتمايزها "إنهم أمة واحدة دون الناس" أمة يرتبط أفرادها برابطة العقيدة وليس الدم، فيتحد شعورهم وتتحد أفكارهم وتتحد قبلتهم ووجهتهم، ولاؤهم لله وليس للقبيلة، واحتكامهم للشرع وليس للعرف ، وهم يتمايزون بذلك كله على بقية الناس، فهذه الروابط تقتصر على المسلمين، ولا تشمل غيرهم من اليهود والحلفاء في مجتمع المدينة، ولا شك أن تمييز الجماعة الدينية كان أمراً مقصوداً يستهدف زيادة تماسكها واعتزازها بذاتها، يتضح ذلك في تمييزها بالقبلة واتجاهها إلى الكعبة بعد أن اتجهت ستة عشر أو سبعة عشر شهراً إلى بيت المقدس(71) وقد مضى النبي (صلى الله عليه وسلم) يميز أتباعه عن سواهم في أمور كثيرة ، ويوضح لهم أنه يقصد بذلك مخالفة اليهود، من ذلك: أن اليهود لا يصلون بالخف فأذن النبي (صلى الله عليه وسلم) لأصحابه أن يصلوا بالخف، واليهود لا تصبغ الشيب فصبغ المسلمون شيب رؤوسهم بالحناء والكتم، واليهود تصوم عاشوراء والنبي (صلى الله عليه وسلم) يصوموه أيضاً ثم اعتزم أواخر حياته أن يصوم تاسوعاء معه مخالفة لهم ، ثم إن النبي (صلى الله عليه وسلم) وضع للمسلمين مبدأ مخالفة غيرهم والتميز عليهم فقال: "ومن تشبه بقوم فهو منهم" وقال: "لا تشبهوا باليهود" والأحاديث في ذلك كثيرة ، وهي تفيد معنى تميز المسلمين واستعلائهم على غيرهم، ولا ريب أن التشبه والمحاكاة للآخرين يتنافى مع الاعتزاز بالذات والاستعلاء على الكفار(72).
    ولكن هذا التميز والاستعلاء لا يشكل حاجزاً بين المسلمين وغيرهم، فكيان الجماعة الإسلامية مفتوح وقابل للتوسع ويستطيع الانضمام إليه من يقبل (إيديولوجيته).
    وقد ذكرت البنود من (3) إلى (11) الكيانات العشائرية، واعتبرت المهاجرين كتلة واحدة لقلة عددهم، أما الأنصار فنسبتهم إلى عشائرهم، وذكر العشائر لا يعني اعتبارها الأساس الأول للارتباط بين الناس، ولا يعني الإبقاء على العصبية القبلية والعشائرية فقد حرم الإسلام ذلك: "ليس منا من دعا إلى عصبية" وإنما للاستفادة منها في التكافل الاجتماعي، وجعل الإسلام العقيدة هي الأصل الأول الذي يربط بين أتباعه ، لكنه اعترف بارتباطات أخرى تندرج تحت رابطة العقيدة ، وتخدم المجتمع ، وتساهم في بناء التكافل الاجتماعي بين أبنائه، مثل الارتباطات الخاصة بين: أفراد الأسرة الواحدة ، وما يترتب عليها من حقوق وواجبات على الآباء والأبناء والأمهات وأفراد العشيرة الواحدة ، وما يترتب عليها من حقوق وواجبات ، كالتضامن في دفع الديات وفكاك الأسرى وإعانة المحتاج منهم، وأفراد المحلة الواحدة: "ما زال جبريل يوصيني بالجار حتى ظننت أنه سيورثه" وأفراد القرية الواحدة: "أيما أهل عرصة أصبح فيهم امرؤ جائعاً فقد برئت منهم ذمة الله تبارك وتعالى"، وأبناء المدينة الواحدة ، فلا تخرج زكاة أموالهم من مدينتهم إلا بعد استيفاء حاجات أبنائها..
    وهكذا رتب الإسلام على الوحدات الاجتماعية الصغيرة القيام بمهام التكافل الاجتماعي ، وبذلك سد ثغرات كبيرة ، وتأتي الدولة في نهاية المطاف فتسد ما تبقى من ثغرات مما عجز عنه الأفراد... ولا شك أن ذلك يرفع عبئاً كبيراً عن كاهل الدولة تنوه به الدول الحديثة.
    وهكذا فإن إقرار الروابط العشائرية قصد به الاستفادة منها في التكافل الاجتماعي "ولكن لا تناصر في الظلم ولا عصبية ، وبذلك حول الإسلام وجهة الروابط القبلية واستفاد منها بتكييفها وفق أهدافه العليا.
    إن التكافل الاجتماعي يحتم على العشيرة أن تعين أفرادها ، ومن ذلك إذا قتل فرد منها أحداً خطأ، فإنها تدفع دية القتل بالتضامن بين أفرادها، وقد كان ذلك متعارفاً عليه في الجاهلية فأقرته الوثيقة لما فيه من التعاون: "على ربعتهم يتعاقلون بينهم معاقلهم الأولى" أي على شأنهم وعاداتهم من أحكام الديات(73). وكذلك تعين العشيرة الأسرى من أفرادها بمفاداتهم بالمال: "وهم يفدون عانيهم- أي الأسير- بالمعروف"(74).
    كما أكدت الوثيقة على المسؤولية الجماعية، واعتبرت سائر المؤمنين مسئولين عن تحقيق العدل والأمن في مجتمع المدينة ، إن أهمية ذلك كبيرة لأن النبي (صلى الله عليه وسلم) لم يشكل قوة منظمة كالشرطة لتعقب الجناة ومعاقبتهم.
    ونظراً لكون الحدود على الجرائم مصدرها الله تعالى لذلك فإن السعي إلى تطبيقها واجب ديني على المؤمنين، وهذا يكسب الأحكام قدسية ، ويعطيها قوة كبيرة، ويمنع ما ينشأ في نفوس بعض الناس من الرغبة في تحديها والخروج عليها كما يحدث في ظل القوانين الوضعية ، إن اهتمام الوثيقة بإبراز دور المؤمنين يتضح من البند رقم (13) والبند رقم (21) حيث ينص البند رقم (13): "وإن المؤمنين المتقين أيديهم على كل من بغي منهم أو ابتغى دسيعة ظلم أو إثماً أو عدواناً أو فساداً بين المؤمنين، وإن أيديهم عليه جميعاً، ولو كان ولد أحدهم" فهي تعتمد على المؤمنين في الأخذ على يد البغاة والمعتدين والمفسدين والمرتشين، ومعنى (دسيعة ظلم) أي طلب عطية من دون حق(75). وتخصيص المتقنين بتحمل المسؤولية لأنهم أحرص من سواهم على تنفيذ الشريعة لكمال إيمانهم ولأن من اتصف بأصل الإيمان قد يرتكب الحرام فيبغي ويخالف الحدود فيمنع من ذلك(76).
    أما البند رقم (21) فنصه: "ومن اعتبط مؤمناً قتلاً عن بينة فإنه قود به" أي أن من قتل بلا جناية كانت منه ولا جريرة توجب قتله فإن القاتل يقاد به ويقتل إلا إذا اختار أهل القتيل أخذ الدية بدل القصاص أو وقع منهم العفو"(77)، وسواء اختار أهله القتل أو الدية فإن المؤمنين كافة- بضمنهم أهل القاتل- يتعاونون في تطبيق الحكم عليه وعدم حمايته مهما بلغت درجة قرابته لهم إذ: "لا يحل لمؤمن أقر بما في هذه الصحيفة وآمن بالله واليوم الآخر أن ينصر محدثاً أو يؤويه، وإن من نصره أو آواه، فإن عليه لعنة الله وغضبه يوم القيامة، ولا يؤخذ منه صرف ولا عدل". والمحدث كل من أتى حداً من حدود الله عز وجل، فليس لأحد منعه من إقامة الحد عليه، ومن آواه فإن الله يلعنه ويغضب عليه ولا يقبل منه التوبة عن فعلته في نصرة المجرمين ولا يقبل منه فدية لذلك(78).
    ويقتضي التكافل الاجتماعي بين المؤمنين أن يعينوا المفرح منهم (أي الذي أثقله الدين)(79) إن كان أسيراً بفدائه ، وإن كان جنى جناية عن خطأ دفعوا الدية عنه كما ينص البند رقم (12) وقد ذهب ابن سعد إلى أن المفرح هو من يكون في القوم لا يعرف له مولى(80). ومن الواضح أن صلة الولاء يترتب عليها العون والمساعدة في الديات وغيرها ، فمن لم يكن له عشيرة ينتسب إليها صليبة أو ولاء فإن المؤمنين جميعاً أولياؤه وعليهم مساعدته، فإذا جنى جناية كانت جنايته على بيت المال لأنه لا عاقلة له(81).
    لقد أقر البند (12 ب) فكرة الحلف لكنه لم يسمح بالتجاوز على حقوق الولاء التي للسيد على المعتقين من مواليه، فلا يجوز لأحد محالفتهم دون إذن سيدهم، ويتضح من حديث شريف أن الإسلام إنما أقر استمرار الأحلاف القديمة لكنه منع استحداث أحلاف جديدة ونص الحديث: "لما دخل رسول الله (صلى الله عليه وسلم) مكة عام الفتح قام في الناس خطيباً فقال: يا أيها الناس إنه ما كان من حلف في الجاهلية فإن الإسلام لم يزده إلا شدة ولا حلف في الإسلام"(82).
    ويبرز في البند رقم (14) استعلاء المؤمنين على الكافرين: "لا يقتل مؤمن مؤمناً في كافر، ولا ينصر كافراً على مؤمن" فهذا دليل على أن دم الكافر لا يكافئ دم المؤمن، وتأكيد على الترابط الوثيق بين المؤمنين وموالاتهم لبعضهم، وقطع صلات الود والولاء القديمة مع الكفار.
    ويقرر البند رقم (17): "إن سلم المؤمنين واحدة، لا يسالم مؤمن دون مؤمن في قتال في سبيل الله إلا على سواء وعدل بينهم" فمسؤولية إعلان الحرب والسلم لا يقرره الأفراد بل النبي (صلى الله عليه وسلم)، فإذا أعلن الحرب فإن سائر المؤمنين يصبحون في حالة حرب مع الخصم ، ولا يمكن لفرد مهادنته ؛ لأنه

      الوقت/التاريخ الآن هو الخميس ديسمبر 08 2016, 18:08