منتديات مواد الاجتماعيات

منتديات مواد الاجتماعيات


    مزايا السيرة النبوية

    شاطر

    Admin
    Admin
    Admin

    الدولة :
    عارضة الطاقة :
    90 / 10090 / 100

    عدد المساهمات : 9005
    نقاط : 19215
    تاريخ التسجيل : 10/08/2010

    مزايا السيرة النبوية

    مُساهمة من طرف Admin في الإثنين يناير 24 2011, 09:59

    [ندعوك للتسجيل في المنتدى أو التعريف بنفسك لمعاينة هذه الصورة]

    مزايا السيرة النبوية


    تجمع السيرة النبوية عدة مزايا تجعل دراستها متعة روحية وعقلية وتاريخية، كما تجعل هذه الدراسة ضرورية لعلماء الشريعة والدعاة إلى الله والمهتمين بالإصلاح الاجتماعي، ليضمنوا إبلاغ الشريعة إلى الناس بأسلوب يجعلهم يرون فيها المعتصم الذي يلوذون به عند اضطراب السبل واشتداد العواصف ،ولتتفتح أمام الدعاة قلوب الناس وأفئدتهم، ويكون الإصلاح الذي يدعو إليه المصلحون أقرب نجاحاً وأكثر سداداً، ونجمل فيما يلي أبرز مزايا السيرة النبوية.
    أولاً:أنها أصح سيرة لتاريخ نبي مرسل أو عظيم أو مصلح، فقد وصلت إلينا سيرة رسول الله صلى الله عليه وسلم عن أصح الطرق العلمية وأقواها ثبوتاً ؛ مما لا يترك مجالاً للشك في وقائعها البارزة وأحداثها الكبرى، ومما ييسر لنا معرفة ما أضيف إليها في العصور المتأخرة من أحداث أو معجزات أو وقائع أوحى بها العقل الجاهل الراغب في زيادة إضفاء الصفة المدهشة على رسول الله أكثر مما أراد الله لرسوله أن يكون عليه من جلال المقام وقدسية الرسالة وعظمة السيرة.
    إن هذه الميزة من صحة السيرة صحة لا يتطرق إليها الشك لا توجد في سيرة رسول من رسل الله السابقين، فموسى عليه السلام قد اختلطت عندنا وقائع سيرته الصحيحة بما أدخل عليها اليهود من زيف وتحريف، ولا نستطيع أن نركن إلى التوراة الحاضرة لنستخرج منها سيرة صادقة لموسى عليه السلام، فقد أخذ كثير من النقاد الغربيين يشكون في بعض أسفارها، وبعضهم يجزم بأن بعض أسفارها لم يكتب في حياة موسى عليه السلام ولا بعده بزمن قريب، وإنما كتب بعد زمن بعيد من غير أن يعرف كاتبها، وهذا وحده كاف للتشكيك في صحة سيرة موسى عليه السلام كما وردت في التوراة، ولذلك ليس أمام المسلم أن يؤمن بشيء من صحة سيرته إلا ما جاء في القرآن الكريم والسنة النبوية الصحيحة، ومثل ذلك يقال في سيرة عيسى عليه السلام، فهذه الأناجيل المعترف بها رسمياً لدى الكنائس المسيحية إنما أقرت في عهد متأخر عن السيد المسيح بمئات السنين ،وقد اختيرت –بدون مبرر علمي- من بين مئات الأناجيل التي كانت منتشرة في أيدي المسيحيين يومئذ، ثم إن نسبة هذه الأناجيل لكاتبيها لم يثبت عن طريق علمي تطمئن النفس إليه، فهي لم تروَ بسند متصل إلى كاتبيها، على أن الخلاف قد وقع أيضاً بين النقاد الغربيين في أسماء بعض هؤلاء الكاتبين من يكونون وفي أي عصر كانوا؟.
    وإذا كان هذا شأن سير الرسل أصحاب الديانات المنتشرة في العالم، كان الشك أقوى في سيرة أصحاب الديانات والفلاسفة الآخرين الذين يعد أتباعهم بمئات الملايين في العالم كبوذا وكونفوشيوس ،فإن الروايات التي يتناقلها أتباعهم عن سيرتهم ليس لها أصل معتبر في نظر البحث العلمي ،وإنما يتلقفها الكهان فيما بينهم ويزيد فيها كل جيل عن سابقه بما هو من قبيل الأساطير والخرافات التي لا يصدقها العقل النير المتحرر من التعصب لتلك الديانات.
    وهكذا نجد أن أصح سيرة وأقواها ثبوتاً متواتراً هي سيرة رسول الله صلى الله عليه وسلم.
    ثانياً:أن حياة رسول الله صلى الله عليه وسلم واضحة كل الوضوح في جميع مراحلها منذ زواج أبيه عبد الله بآمنة إلى وفاته صلى الله عليه وسلم، فنحن نعرف الشيء الكثير عن ولادته وطفولته وشبابه ومكسبه قبل النبوة ورحلاته خارج مكة إلى أن بعثه الله رسولاً كريماً، ثم نعرف بشكل أدق وأوضح وأكمل كل أحواله بعد ذلك سنة فسنة ،مما يجعل سيرته عليه الصلاة والسلام واضحة وضوح الشمس كما قال بعض النقاد الغربيين: «إن محمداً عليه الصلاة والسلام هو الوحيد الذي ولد على ضوء الشمس».
    وهذا ما لم يتيسر مثله ولا قريب منه لرسول من رسل الله السابقين، فموسى عليه السلام لا نعرف شيئاً قط عن طفولته وشبابه وطرق معيشته قبل النبوة، ونعرف الشيء القليل عن حياته بعد النبوة ،مما لا يعطينا صورة مكتملة لشخصيته، ومثل ذلك يقال في عيسى عليه السلام، فنحن لا نعرف شيئاً عن طفولته إلا ما تذكره الأناجيل الحاضرة من أنه دخل هيكل اليهود وناقش أحبارهم، فهذه هي الحادثة الوحيدة التي يذكرونها عن طفولته، ثم نحن لا نعرف من أحواله بعد النبوة إلا ما يتصل بدعوته وقليلاً من أسلوب معيشته، وما عدا ذلك فأمر يغطيه الضباب الكثير.
    فأين هذا مما تذكره مصادر السيرة الصحيحة من أدق التفاصيل في حياة رسولنا الشخصية، كأكله وقيامه وقعوده ولباسه وشكله وهيئته ومنطقه ومعاملته لأسرته وتعبده وصلاته ومعاشرته لأصحابه، بل بلغت الدقة في رواة سيرته أن يذكروا لنا عدد الشعرات البيض في رأسه ولحيته صلى الله عليه وسلم.
    ثالثاً:أن سيرة رسول الله صلى الله عليه وسلم تحكي سيرة إنسان أكرمه الله بالرسالة ،فلم تخرجه عن إنسانيته، ولم تلحق حياته بالأساطير، ولم تضفِ عليه الألوهية قليلاً ولا كثيراً، وإذا قارنا هذا بما يرويه المسيحيون عن سيرة عيسى عليه السلام ،وما يرويه البوذيون عن بوذا ،والوثنيون عن آلهتهم المعبودة ،اتضح لنا الفرق جلياً بين سيرته عليه السلام وسيرة هؤلاء، ولذلك أثر بعيد المدى في السلوك الإنساني والاجتماعي لأتباعهم، فادعاء الألوهية لعيسى عليه السلام ولبوذا جعلهما أبعد منالاً من أن يكونا قدوة نموذجية للإنسان في حياته الشخصية والاجتماعية، بينما ظل وسيظل محمد صلى الله عليه وسلم المثل النموذجي الإنساني الكامل لكل من أراد أن يعيش سعيداً كريماً في نفسه وأسرته وبيئته، ومن هنا يقول الله في كتابه الكريم: «لقد كان لكم في رسول الله أسوة حسنة لمن كان يرجو الله واليوم الآخر».
    رابعاً:أن سيرة رسول الله صلى الله عليه وسلم شاملة لكل النواحي الإنسانية في الإنسان، فهي تحكي لنا سيرة محمد الشاب الأمين المستقيم قبل أن يكرمه الله بالرسالة، كما تحكي لنا سيرة رسول الله الداعية إلى الله المتلمس أجدى الوسائل لقبول دعوته، الباذل منتهى طاقته وجهده في إبلاغ رسالته، كما تحكي لنا سيرته كرئيس دولة يضع لدولته أقوم النظم وأصحها، ويحميها بيقظته وإخلاصه وصدقه بما يكفل لها النجاح. كما تحكي لنا سيرة الرسول الزوج والأب في حنو العاطفة وحسن المعاملة والتمييز الواضح بين الحقوق والواجبات لكل من الزوج والزوجة والأولاد، كما تحكي لنا سيرة الرسول المربي المرشد الذي يشرف على تربية أصحابه تربية مثالية ينقل فيها من روحه إلى أرواحهم ومن نفسه إلى نفوسهم ما يجعلهم يحاولون الاقتداء به في دقيق الأمور وكبيرها، كما تحكي لنا سيرة الرسول الصديق الذي يقول بواجبات الصحبة ويفي بالتزاماتها وآدابها، مما يجعل أصحابه يحبونه كحبهم لأنفسهم وأكثر من حبهم لأهليهم وأقربائهم، وسيرته تحكي لنا سيرة المحارب الشجاع والقائد المنتصر والسياسي الناجح والجار الأمين والمعاهد الصادق، وقصارى القول أن سيرة رسول الله صلى الله عليه وسلم شاملة لجميع النواحي الإنسانية في المجتمع مما يجعله القدوة الصالحة لكل داعية وكل قائد وكل أب وكل زوج وكل صديق وكل مرب وكل سياسي وكل رئيس دولة وهكذا...
    ونحن لا نجد مثل هذا الشمول ولا قريباً منه فيما بقي لنا من سير الرسل السابقين ومؤسسي الديانات والفلاسفة المتقدمين والمتأخرين، فموسى يمثل زعيم الأمة الذي أنقذ أمته من العبودية ووضع لها من القواعد والمبادئ ما يصلح لها وحدها، ولكنا لا نجد في سيرته ما يجعله قدوة للمحاربين أو المربين أو السياسيين أو رؤساء الدول أو الآباء أو الأزواج مثلاً، وعيسى عليه السلام يمثل الداعية الزاهد الذي غادر الدنيا وهو لا يملك مالاً ولا داراً ولا متاعاً، ولكنه في سيرته الموجودة بين أيدي المسيحيين لا يمثل القائد المحارب ولا رئيس الدولة ولا الأب ولا الزوج، لأنه لم يتزوج، ولا المشرع ولا غير ذلك مما تمثله سيرة محمد صلى الله عليه وسلم، وقل مثل ذلك في بوذا وكونفوشيوس وأرسطو وأفلاطون ونابليون وغيرهم من عظماء التاريخ، فإنهم لا يصلحون للقدوة – إن صلحوا- إلا لناحية واحدة من نواحي الحياة برزوا فيها واشتهروا بها، والإنسان الوحيد في التاريخ الذي يصلح أن يكون قدوة لجميع الفئات وجميع ذوي المواهب وجميع الناس هو محمد صلى الله عليه وسلم.
    خامساً:أن سيرة محمد صلى الله عليه وسلم وحدها تعطينا الدليل الذي لا ريب فيه على صدق رسالته ونبوته، إنها سيرة إنسان كامل سار بدعوته من نصر إلى نصر، لا على طريق الخوارق والمعجزات، بل عن طريق طبيعي بحث، فلقد دعا فأوذي، وبلغ فأصبح له الأنصار، واضطر إلى الحرب فحارب، وكان حكيماً موفقاً في قيادته فما أزفت ساعة وفاته إلا وكانت دعوته تلف الجزيرة العربية كلها عن طريق الإيمان ،لا عن طريق القهر والغلبة، ومن عرف ما كان عليه العرب من عادات وعقائد وما قاموا به من شتى أنواع المقاومة حتى تدبير اغتياله، ومن عرف عدم التكافؤ بينه وبين محاربيه في كل معركة انتصر فيها، ومن عرف قصر المدة التي استغرقتها رسالته حتى وفاته –وهي ثلاث وعشرون سنة، أيقن أن محمداً (صلى الله عليه وسلم) رسول الله حقاً ،وأن ما كان يمنحه الله من ثبات وقوة وتأثير ونصر ليس إلا لأنه نبي حقاً، وما كان لله أن يؤيد من يكذب عليه هذا التأييد الفريد في التاريخ، فسيرة رسول الله صلى الله عليه وسلم تثبت لنا صدق رسالته عن طريق عقلي بحث وما وقع له صلى الله عليه وسلم من المعجزات لم يكن الأساس الأول في إيمان العرب بدعوته.
    بل إنا لا نجد له معجزات آمن معها الكفار المعاندون على أن المعجزات المادية إنما تكون حجة على من شاهدها، ومن المؤكد أن المسلمين الذي لم يروا النبي صلى الله عليه وسلم ولم يشاهدوا معجزاته إنما آمنوا بصدق رسالته للأدلة العقلية القاطعة على صدق دعواه النبوة، ومن هذه الأدلة العقلية القرآن الكريم، فإنه معجزة عقلية تلزم كل عاقل منصف أن يؤمن بصدق محمد صلى الله عليه وسلم في دعوى الرسالة.
    وهذا يختلف تماماً عن سير الأنبياء السابقين المحفوظة لدى أتباعهم، فهي تدل على أن الناس إنما آمنوا بهم لما رأوا على أيديهم من معجزات وخوارق دون أن يحكموا عقولهم في مبادئ دعواتهم فتذعن لها، وأوضح مثل لذلك السيد المسيح عليه السلام، فإن الله حكى لنا في القرآن الكريم أنه جعل الدعامة الأولى في إقناع اليهود بصدق رسالته أن يبرئ الأكمه والأبرص ويشفي المرضى ويحيي الموتى وينبئهم بما يأكلون وما يدخرون في بيوتهم، كل ذلك بإذن الله جل شأنه.
    والأناجيل الحاضرة تروى لنا أن هذه المعجزات هي وحدها التي كانت سبباً في إيمان الجماهير دفعة واحدة به لا على أنه رسول كما يحكي القرآن الكريم، بل على أنه إله وابن إله – وحاشا لله من ذلك-.
    والمسيحية بعد المسيح انتشرت بالمعجزات وخوارق العادات – وفي سفر أعمال الرسل أكبر دليل على ذلك- حتى ليصح لنا أن نطلق على المسيحية التي يؤمن بها أتباعها أنها دين قام على المعجزات والخوراق لا على الإقناع العقلي، ومن هنا نرى هذه الميزة الواضحة في سيرة الرسول صلى الله عليه وسلم أنه ما آمن به واحد عن طريق مشاهدته (المعجزة) خارقة، بل عن اقتناع وجداني ، وإذا كان الله قد أكرم رسوله بالمعجزات الخارقة، فما ذلك إلا إكراماً له صلى الله عليه وسلم وإفحاماً لمعانديه المكابرين.
    ومن تتبع القرآن الكريم وجد أنه اعتمد في الإقناع على المحاكمة العقلية والمشاهدة المحسوسة لعظيم صنع الله ، والمعرفة التامة بما كان عليه الرسول من أمية تجعل إتيانه بالقرآن الكريم دليلاً على صدق رسالته صلى الله عليه وسلم. يقول الله تعالى في سورة العنكبوت: «وقالوا لولا أنزل عليه آيات من ربه قل إنما الآيات عند الله وإنما أنا نذير مبين، أولم يكفهم أنا أنزلنا عليك الكتاب يتلى عليهم إن في ذلك لرحمة وذكرى لقوم يؤمنون».
    ولما اشتط كفار قريش في طلب المعجزات من رسول الله صلى الله عليه وسلم كما كانت تفعل الأمم الماضية أمره الله أن يجيبهم بقوله: «سبحان ربي هل كنتُ إلا بشراً رسولاً» استمع إلى ذلك في قوله تعالى في سورة الإسراء: «وقالوا لن نؤمن لك حتى تفجر لنا من الأرض ينبوعاً. أو تكون لك جنة من نخيل وعنب فتفجر الأنهار خلالها تفجيراً. أو تسقط السماء كما زعمت علينا كسفاً أو تأتي بالله والملائكة قبيلاً. أو يكون لك بيت من زخرف أو ترقى في السماء ولن نؤمن لرقيك حتى تنزل علينا كتاباً نقرؤه قل سبحان ربي هل كنتُ إلا بشراً رسولاً».
    هكذا يقرر القرآن بصراحة ووضوح أن محمداً صلى الله عليه وسلم إنسان رسول،وأنه لا يعتمد في دعوى الرسالة على الخوارق والمعجزات وإنما يخاطب العقول والقلوب «فمن يردِ اللهُ أن يهديَه يشرح صدره للإسلام».

    كتب: د. مصطفى السباعي
    مجلة حضارة الإسلام، العدد الأول، السنة الرابعة، آب 1963، ص6-13

      الوقت/التاريخ الآن هو الثلاثاء ديسمبر 06 2016, 10:12