منتديات مواد الاجتماعيات

منتديات مواد الاجتماعيات


    ***إمارة المؤمنين بالمغرب***

    شاطر

    Admin
    Admin
    Admin

    الدولة :
    عارضة الطاقة :
    90 / 10090 / 100

    عدد المساهمات : 9005
    نقاط : 19215
    تاريخ التسجيل : 10/08/2010

    ***إمارة المؤمنين بالمغرب***

    مُساهمة من طرف Admin في الخميس فبراير 17 2011, 22:49

    ***إمارة المؤمنين بالمغرب***


    حصن الوحدة وضمان الأمان

    *سعيد مبشور – كاتب مغربي*
    شكلت البيعة على مر التاريخ الإسلامي أهم الركائز التي تنبني عليها شرعية النظام السياسي الذي أبدعه المسلمون، وكانت الخلافة إحدى ثمراته، وقد ظلت هذه المنظومة تمثل إطارا جامعا تلتقي فيه السلطتان الروحية والزمنية لدى الحاكم المسلم، هذا التناغم بين السلط الذي استمدت منه الحضارة الإسلامية فرادتها وتماسك بنياتها السياسية والاجتماعية لقرون طوال.
    وإمارة المؤمنين كمؤسسة سياسية تجمع بين السلطتين الآنفتي الذكر، هي إحدى إبداعات هذا النظام الفريد، فالمؤمنون في التصور السياسي والاجتماعي الإسلامي يشكلون وحدة عضوية منسجمة، ونسيجا مترابطا من المصالح والعلاقات، وفي أعلى هرم هذه البنية المتراصة تتمركز إمارة المؤمنين، تسوس أمورهم، وتضمن وحدتهم، وتصون كرامتهم، وترعى أمنهم واستقرارهم، في إطار تعاقد قانوني وأخلاقي بموجب البيعة الشرعية، وشراكة اجتماعية وسياسية يؤطرها مبدآ الشورى والمناصحة.
    وهي بذلك ليست مؤسسة جامدة، أو خارج سياقها التاريخي والموضوعي، وإلا لما كانت استمرت في التواجد والتأثير، وهو الاستمرار الذي عجزت أعتى الأشكال السياسية والاجتماعية، والنظريات والفلسفات الفكرية، وأكثرها حداثة – بالتحديد الزمني- عن تحقيقه، بما فيها تلك التي طالما بدت في عيون أصحابها "حتمية تاريخية" ونتيجة طبيعية لتطور "مادي" يفضي بالتأكيد إلى سيادة نمط اجتماعي سكوني موهوم، أو تلك الأخرى التي تستلهم تجارب وإطارات استخدمت القوالب الدينية كقيم وأدوات تحريضية من أجل الوصول إلى سدة الحكم والاستيلاء على السلطة من دون مشروع واضح، في أفق إنتاج الاستبداد والانسداد السياسي.
    إن أصحاب مثل هذه الأفكار وتلك، إنما يعبرون عن ضحالة وعيهم بحركة التاريخ، عندما يحاولون إسقاط نماذج معزولة في الزمان والمكان، على واقع ظل يعيش صيرورة تاريخية مترابطة الحلقات، ويجتهدون في إحداث قطيعة غير ذات موضوع، مع الذات والهوية والذاكرة، وهي القطيعة التي ينتج عنها بالقوة انفصام مزمن في الشخصية والوعي والممارسة، وتتهاوى أمام الحقائق الممتدة في الكون والزمن، والطبيعة والإنسان.
    وعليه، فالذين يحاولون إيهام المغاربة بأن مؤسساتهم الشرعية، وفي مقدمتها مؤسسة إمارة المؤمنين، قد استنفذت أغراضها التاريخية والموضوعية، إنما يضعون أنفسهم – من حيث يدرون أولا يدرون – في دائرة المواجهة مع التراث الروحي والسياسي لشعبهم، ويسعون إلى تدمير الشطر الرئيس من كينونته، بعد فشلهم المتراكم في فرض مشروعات مجتمعية واضحة ومتكاملة المعالم من قلب هذه الكينونة وفي سياقها.
    وإذا كنا نقول، أن إمارة المؤمنين كسلطة ومؤسسة، هي دعامة الوحدة الوطنية، والضمانة الفعلية والواقعية لتحقق أمن المغاربة الروحي والسياسي، فإن أي دعوة إلى التنازل عن هذه المؤسسة باعتبارها مكسبا ورصيدا استراتيجيا، إنما هي محاولة لضرب مقومات وحدة هذا البلد والإجهاز على أمنه واستقراره.
    وإن القراءات التي يقدمها بعض رموز وسياسيي ومثقفي هذا التيار أو ذاك، لمستقبلنا السياسي والاجتماعي، ستبقى قراءات قاصرة، ما لم تستحضر خصوصية التجربة المغربية في هذا الإطار، والخصوصية التي نحن بصدد نقاشها هنا، ليست بالمعنى المحافظ المنغلق الرافض لمنطق التحديث والعصرنة، وليست ترويجا دوغمائيا لفكر تقليدي لا يتفاعل مع ديناميكية التطور وتحول المناخات والأجواء، وإذا صح نعت هذه الخصوصية بالتقليد فسيكون بالتأكيد تقليدا لا يمت بصلة إلى التقليدانية التي حاربها الأوربيون في عصر نهضتهم إبان الثورة على الإقطاع وتغول الكنيسة، وإنما هو تقليد يتجاوز تعليب الأنماط، وتحنيط الأفكار، وصنمية الأشخاص والمؤسسات، ويستثمر مميزات الحداثة في التأسيس لمجتمع سياسي ديمقراطي، يقوم على أساس القيم الدينية والوطنية، ويستفيد من دور الحداثة الوظيفي وآلياتها العلمية والمعرفية، في الرقي بالوعي الذاتي، دونما إجهاز على مقومات الشخصية المغربية أو إتلاف لمعالمها.
    إن الشرعية التي يسائلها بعض الملفوفين في أوراق ومسودات الفكر السياسي الطفولي الحالم، إنما هي شرعية عرفها المغاربة منذ وطئت قدما القائد الفاتح عقبة بن نافع أرض الغرب الإسلامي، فتنفسوا من خلال رئات الفتح نسائم الحكم الإسلامي الرشيد، ولامسوا عن كثب دور هذا الدين في الدفاع عن الحق والمشروعية وحماية الثغور، عندما تميز ابنهم البار، خريج هذه المدرسة، طارق بن زياد، كأول شخصية عسكرية إسلامية محلية تتولى قيادة جيش الخلافة في هذه البقاع.
    وقد خلق هذا كله لدى المغاربة، الاستعداد النفسي والقناعة الراسخة بعدم إمكانية تحقق سيادتهم أو اكتمال شخصيتهم الحضارية، إلا في إطار بيئة سياسية واجتماعية تشكل الإمارة الإسلامية عمودها الفقري ومركزيتها الإدارية والتنظيمية.
    وهكذا، وعند أول تجربة اندمج فيها التصوران الديني والسياسي، سارع المغاربة إلى مبايعة المولى إدريس كأول حاكم مغربي جمع بين إمارة الدين وسياسة الدنيا، فكانت تلك اللبنة الأولى التي ارتكز عليها بناء صرح مؤسسة إمارة المؤمنين في مختلف مراحل تكوينها وتطورها.
    وإذن، فإن أيا من الأطراف الداعية إلى فك ارتباط المغاربة بمشروعهم السياسي التاريخي، سواء كانت أطرافا علمانية أصحابها من دعاة الانزلاق على قشور الحداثة الغربية، أو إسلامية يتناقض روادها مع طبيعة مرجعيتهم القائمة أصلا على نمط الحكم الإمامي، إن أيا من هذه الأطراف لا يملك أسسا شرعية بالعمق الذي تتواجد فيه إمارة المؤمنين، وبالتالي فخرجاتهم السياسية والفكرية والإعلامية، وإن كانت من صميم حرية التعبير التي كفلتها الدولة الإسلامية لمخالفيها على مر العصور، تبقى مضادة للتطور الطبيعي للمجتمع المغربي.
    إذ كيف يمكن أن نكون تقدميين أو ديمقراطيين أو دعاة تقويم وإصلاح، حينما ندفع بمجتمعاتنا من الوحدة إلى الانشطار، ومن سعة الإطار الإسلامي وشموليته، إلى ضيق النظريات المولودة في أجواء مغايرة لأجوائنا وطبائعنا، والموءودة بفعل أجنبيتها وغرابتها؟.
    إن مجرد التفكير في الدعوة إلى الاستغناء عن الدين كمكون من مكونات الدولة والنظام المغربيين، أو الدعوة إلى راية قومية أو دينية أخرى غير تلك المتجذرة في وعي المغاربة وكيانهم، لهو نوع من المغامرة الغير محسوبة العواقب، قد تؤدي في نهايتها إلى انفراط عقد شرعي واجتماعي طالما ربط بين المغاربة وحكامهم، وضمن الاستقرار والوحدة والتضامن، داخل مجتمع انتفت فيه المعيارية الطائفية أو العرقية أو المذهبية، وأعطى النموذج في التلاحم والتماسك والانسجام.
    فلماذا يا ترى يقوم البعض اليوم بإثارة النعرات وزرع الفتن، وطرح اقتراحات وتصورات تزيد من تعميق الهوة بين أطراف الجسد المغربي الواحد، ولمصلحة من يتم الترويج لمثل هذه الأفكار والطروحات؟
    ألا يعد ذلك تطبيقا واضحا لسياسات فشل الاستعمار القديم في فرضها كأمر واقع على المغاربة، حينما أقدم على محاولة شق صفهم عن طريق الظهير البربري مثلا؟ أو عن طريق الطعن في شرعية سلطانهم من خلال نفي الملك محمد الخامس والمحاولة الفاشلة في تنصيب بديل له ؟
    ثم ألا يعتبر المضي في هذا المسلسل تنفيذا حرفيا للمشروع الاستعماري الجديد، الذي توضحت معالمه في بلدان مثل العراق ولبنان وفلسطين وغيرها، والقاضي بتفكيك بنية الدولة العربية، وترسيخ عقلية المحاصصة الطائفية، وتأجيج أوار الصراع الإثني والمذهبي؟
    أسئلة، وغيرها كثير، ستظل مشرعة، في انتظار تعميق النظر والمراجعة الشاملة لمسارات ربما يسيء أصحابها تقدير عواقب السير على نهجها، وقد يجهلون أنهم إنما يتجهون إلى الوقوع في غيابات المجهول.


      الوقت/التاريخ الآن هو الثلاثاء ديسمبر 06 2016, 10:13